تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٧٧ الى ٧٨
كثير البركة لكونه حكمه، و الحكمة مفتاح كلّ سعادة لقوله: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢/ ٢٦٩].
و قيل: إنّه كريم: بمعنى أنّه حسن مرضيّ [٩١] في جنسه، لأنّه معجزة للنبي الكريم، المشتمل على كلّ دقيق و جليل من العلوم و على المواعظ و الأحكام و الإخبار عن المغيبات.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ أي: مستور ما فيه من الخلق، لكونه من عالم الغيب، و الخلق من عالم الشهادة، بل مصون عن أعين غير المقرّبين من الملائكة، لا يطّلع عليه من سواهم و سوى من وصل إلى مقامهم من الأنبياء المصطفين، و ذلك الكتاب هو اللوح المحفوظ عن المحو و التغيير و النسخ، لأنّه جوهر مجرّد عال عن عالم الأجرام التي يتطرّق إليها الكون و الفساد، و عن عالم الألواح القدريّة التي يعتريها المحو و الإثبات، و أرواحها التي يجري فيها النقل و التغيير و التبديل و النسخ، فهو بجوهره عالم عقليّ محلّ للقضاء الإلهيّ، و لوح [٩٢] كلّي مكتوب فيها جميع ما قضي اللّه بقلم الحقّ الأعلى، كما في
قوله صلّى اللّه عليه و آله [٩٣] «إنّ اللّه كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إنّ رحمتي سبقت غضبي».
فهو مكتوب عنده فوق العرش بقلم القدرة الإلهيّة- و هو المسمّى ب «امّ الكتاب» لقوله: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [٤٣/ ٤] لأنّ جميع العلوم الحقّة الموسومة باللدنيّة- التي لا يعلم إلّا بتوفيق اللّه- ثابتة فيه، فائضة منه بإفاضة اللّه على قلب من يشاء من عباده، كما قال: اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[٩١] رضي- نسخة
. [٩٢] روح- نسخة.
[٩٣] المسند: ج ٢ ص ٣٩٧ راجع أيضا: ج ٢ ص ٢٥٨ و ٣٨١ و ٢٦٠.