تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٢ - الإشراق الرابع لمية لحوق الموت الطبيعي
و أمّا اللذّة: فلأن يكون ما يأكل و يشرب بقدر الحاجة و لا يزيد و لا ينقص.
و أمّا الذي يعرض لها من الآلام و الأوجاع عند الأمراض و العاهات [٥] العارضة لأجسادها فلأن يحرض النفوس على حفظ أجسادها من الآفات ليبقى إلى وقت معلوم و لا يفسد قبل بلوغ النفس إلى كمالها اللائق بحالها، فإنّ استكمالها بالعلم و العمل و بلوغها إلى درجة العقل و المعقول بالفعل إنّما يحصل بآلات البدن و استعمال حواسّه الظاهرة و الباطنة مدّة مديدة. و لذا قيل:
«من فقد حسّا فقد علما».
الإشراق الرابع [لمية لحوق الموت الطبيعي]
اعلم إنّا بينّا في بعض فصول أسفارنا [٦] علّة لحوق الموت الطبيعي لكلّ نفس منفوسة بوجه تحقيقي غير ما اشتهر في الكتب الطبيعيّة و الطبيّة، و استنبطنا ذلك من بعض الآيات القرآنيّة حسبما ألهمني اللّه، و أثبتناه بالبيان البرهاني على نهج الحكماء الإلهيّين، لا بالبيانات التي هي مسلك الأطبّاء و الطبيعيّين.
و حكاية القول فيه: إن في جبلّة النفوس بل المكوّنات العنصريّة كلّها الترقّي من حال إلى حال و التدرّج إلى كمال بعد كمال، و التوجّه و السير الحثيث إلى المبدأ الفعّال و القيوّم المتعال، و هذا أمر مشاهد في النبات و الحيوان، فضلا عن الإنسان، و قد أقيم في مواضعه عليه البرهان.
أولا ترى أنّ النفس الإنسانيّة منذ أوّل تكوّنها النطفي قبل حين تكوّنها النطقي كانت لها قوّة قابلة هيولانيّة شبيهة بالعدم، كما قال تعالى:
[٥] الآفات- نسخة.
[٦] راجع الاسفار الاربعة: ٨/ ٩٨ الى ١٠٨. و ٩/ ٤٧ الى ٥٣. و ٩/ ٢٣٧.