تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١ - مقدمه المؤلف
فعلمت يقينا أن هذه الحقايق الايمانيّة لا تدرك إلّا بالتصفية للقلب عن الهوى، و التهذيب عن أعراض الدنيا، و العزلة عن صحبة الناس و خصوصا الأكياس، و التدبّر في آيات اللّه و حديث رسوله و آله عليهم السلام، و التسيّر بسيرة الصالحين، في بقيّة من العمر القليل- و بين يديّ السير الطويل [٥]-.
فلمّا أحسست بعجزي و أيقنت أنّي لست على شيء، و قد كنت قنعت عن ضوء النور بظلّ و فيء، اشتعلت نفسي لكثرة الاضطرار اشتعالا قويّا، و التهب قلبي لشدّة الانضجار التهابا نوريّا، فتداركته العناية الأزلية بالرحموت، و نظرت إليه العطوفة الربّانيّة بشيء من لوامع الملكوت، فأفاض عليّ من بحر الجود شيئا من أسرار الوجود، و أفادني مظهر الخفيّات و منوّر المهيّات بعضا من أسرار الآيات و شواهد البيّنات. فاطّلعت على بعض أسرار التنزيل و حقائق التأويل. فشرعت خيرة من اللّه و رسوله في تفسير طائفة من السور و الآيات، و قرعت باب رفع الحجب و كشف النقاب عن وجوه البيّنات.
فرأيتها بحمد اللّه كطبقات الجنان مفتّحة الأبواب، فيها وجوه من الحور العين، ينادون أصحاب الكشف و اليقين: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ففسّرت كثيرا من الآيات و السور الطوال و القصار، كما قضى اللّه و أراد خالق القوى و الأقدار، و أنشأ و أفاد واهب العلوم و الأنوار.
فأردت الآن أن أكتب ما اجتمع لي و خطر ببالي من نكات التنزيل و معارف التأويل، المتعلّقة بهذه السورة، التي هي بحر عميق في تحقيق علم المعاد، و كنز من كنوز الآخرة، يعرف بها عاقبة نفوس العباد. و لا يمكن غورها، و لا يعرف قدرها إلا بإمداد علوي و تأييد إلهي. فشمّرت
[٥] و بين أيدينا هذا السفر الطويل- نسخة.