تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٢ - الإشراق الخامس حب التفرد عن الخلق
و الشهود لأسرار الأمور الإلهيّة ألذّ اللذات الباطنيّة من الرياسة و الحكومة و أعلى الشهوات الغالبة على أنفس الناس و خير الأرزاق الصوريّة و المعنويّة، يرزق بها من يشاء من عباده المقرّبين و أوليائه الصالحين.
و لهذا ترى العارف الربّاني تؤثر التفرّد عن الخلق و الخلوة مع الحقّ بالتبتّل و الفكر و الذكر على الدوام، و يترك الرياسة و يستحقر الخلق و يستهزئ بهم كما هم يستهزءون به، لعلمه بفناء شهوتهم و انقطاع رياستهم و انفساخ أرزاقهم الصوريّة الحسيّة و الخياليّة، و كونهم مشوبة بالكدورات، منغّصة بالمزاحمات، مقطوعة بالموت الذي يهدم اللذات و يقطع الرياسات، و لا بدّ منه مهما أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً الآية [١٠/ ٢٤].
فيشغله بالإضافة إلى هذه اللذات المحقّرات لذّة الحكمة و المعرفة باللّه، و المطالعة لصفاته و ملكوت أفعاله و نظام مملكته، الآخذة من أعلى علّيين إلى أسفل السافلين، فإنّها خالية عن المزاحمات و المكدّرات، متسّعة للمتواردين، لا تضيق عليهم بكثرتها، و إنّما عرضها من حيث التقدير عرض السموات و الأرضين، لأنّه إذا خرج النظر عن عالم المساحة و الخلق و التقدير فلا نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنّة عرضها السموات و الأرض، يرتع في رياضها، و يقتطف من ثمارها، و هو آمن من انقطاعها إذ ثمار هذه الجنّة غير مقطوعة و لا ممنوعة، ثمّ هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة اللّه تعالى، لأنّ محلّه الروح الذي هو أمر نورانيّ سماويّ، و إنّما يغير الموت أحوالها و يقطع أفعالها الدنيويّة و شواغلها و عوائقها و يخليها و عالمها.