تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٠ - هداية عقلية أدلة تجرد النفس
و أمّا الثاني: فلما علمت من أنّ المعقول لا تحلّ الجسم المنقسم بالمقادير الوضعيّة، فإذن لها مكمّل، و هو ملك مقرّب عقليّ لم يكن فيه جهة القوّة و الاستعداد أصلا، و إلّا لكانت نفسا محوجة إلى مخرج آخر إيّاها و مكمّل لها، فيتسلسل أو يدور- و كلاهما محال- أو ينتهي إلى أمر عقليّ بالفعل و هو مطلوبنا.
فكلّ نفس لها حافظ من جواهر الملائكة المقرّبين يحفظ لها و عليها كمالاتها، إذا اتّصلنا بها [٣٦] ايّدنا بالأنوار و كتب في قلوبنا الايمان لأنّه قلم الحقّ الأوّل و إذا أعرضنا عنه بالتوجّه إلى المحسوسات انمحت الكتابة.
و نفوسنا كمرآة إذا أقبلت إليه عند نقائها عن الكدورات و المعاصي قبلت، و إذا أعرضت أو احتجبت تخلت. و نسبته إلى نفوسنا كنسبة الشمس إلى الأبصار.
و ليست المقدّمات بذاتها موجدة للنتيجة لأنّها أعراض و العرض لا يوجد شيئا بل المقدّمات و غيرها معدّات، و الواهب غيرها.
فان قلت: ما الحاجة إلى اثبات هذا المبدإ العقلي بعد اثبات الحقّ الأوّل؟
قلت: النفوس كثيرة، لا بدّ لها من مبدأ ذي جهات كثيرة في الفاعليّة، و الجهات الكثيرة مرتبتها منحطّة عن مرتبة الذات الأحديّة الصرفة بمراحل كثيرة، فلا بدّ من وسائط بيننا و بينه لغاية مجده و علوّه و نهاية عجزنا و قصورنا، فلا نصل إلى جنابه إلّا بعد طيّ مراتب حجابه.
[٣٦] كذا. و الظاهر: به.