تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٠ - الإشراق الثالث في حكمة الموت
و الوهميّة كفضاء الدنيا و أنوارها الشمسيّة و القمريّة و السراجيّة بالنسبة إلى ضيق الجوف و ظلماته الثلاث- ظلمة المشيمة و ظلمة الرحم و ظلمة البطن، أو ظلمات الجماديّة و النباتيّة و الحيوانيّة.
و أمّا حكمة كراهة الموت للأرواح: فإنّ اللّه- جلّ ثناؤه- جعل بواجب حكمته في طبع النفوس محبّة الوجود و البقاء أبدا سرمدا، و جعل في جبلّتها كراهة الغناء و العدم، لأنّ الوجود خير محض موثر عند الكلّ، فيحبّه كلّ أحد و يبغض زواله، و الموت يزيل هذا الوجود الدنيويّ فيكون مكروها.
هذا هو السبب الفاعلي، و أمّا السبب الغائي و حكمته فليحرص النفوس بطباعها و غرائزها على حفظ البقاء و يهرب عن الأضداد و المفسدات قبل بلوغها إلى درجة الكمال.
و هاهنا و جهان آخران أحدهما أنّ الباري جلّ مجده لمّا كان ذاته بذاته علّة الموجودات و مقوّم الحقائق و مقيّم الكائنات و ممسك السموات و الأرض و هو باق أبدا، صارت الموجودات كلّها تحبّ البقاء و تشتاق إليه، لأنّه صفة موجدها و علّتها، و المعلول يحبّ علّته و صفاتها و يشتاق إليها. فمحبّة البقاء و كراهة الفناء من فروع محبّة الباري جلّ ذكره، فمن أجل هذا قالت الحكماء الأقدمون و العرفاء المحقّقون: «إنّ الباري- جلّ ثنائه هو المعشوق الأوّل يشتاقه ساير الخلائق جبلّة و فطرة و يدور عليه الكلّ طبعا و إرادة».
و ثانيهما: أنّ أكثر النفوس لا يدري بأنّ لها وجودا خلوا عن الأجسام، فيتوهّم أن الموت فناء الذات بالكلية.
فإن قيل: لم لا يلهم اللّه النفوس بأن لها وجودا مستقلا و لا حاجة فيه إلى هذا البدن؟