تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٥ - الأول
و قال في آخر سورة هود إشارة إلى هذه المعارف الثلاثة: وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ إشارة إلى أوّلها.
و أمّا علم الوسط و هو علم يجب اليوم أن يشتغل به، فله أيضا مرتبتان:
البداية و النهاية. أمّا البداية فعلم النفس و الاشتغال بالعبوديّة، و أمّا النهاية فقطع النظر عن الموادّ و الأسباب و التجرّد التامّ، و الاتّصال بالمبدأ الفعّال و تفويض الأمور إلى مبدأ المبادئ و مسبّب الأسباب و ذلك هو التوكّل، فذكر هاتين المقامين فقال: فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ.
و أمّا علم المعاد فهو مشار إليه بقوله: وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ أي: إنّ ليومك غدا ستصل إليك فيه نتائج أعمالك و ثمرات أفعالك.
و في كلام أمير المؤمنين و يعسوب الدين- عليه أزكى تسليمات المصلّين- إشارة إلى هذه العلوم الثلاثة للإنسان لإصلاح الأيّام الثلاثة له حيث
قال: «رحم اللّه امرأ أعدّ لنفسه، و استعدّ لرمسه، و علم من أين و في أين و إلى أين».
فقد اشتملت هذه الآية على العلوم الثلاثة، و نظيرها أيضا قوله تعالى:
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ إشارة إلى علم المبدأ و قوله:
وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ إشارة إلى علم الوسط، و قوله: وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إشارة إلى علم المعاد، و لهذا قال في صفة أهل المعاد [٧]: وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [١٠/ ١٠].
و هذه العلوم الثلاثة مع أجزائها و أبوابها و فصولها من علم الكليّات و أحكام الماهيّات و العلم بالعلل الأربع و الأسباب القصوى لوجود الأشياء الكائنة- فاعلها و غايتها و مادتها و صورتها- و العلم بمبادئ الحركات الكليّة
[٧] كذا. و الظاهر: اهل الجنة.