تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - الإشراق الثالث المؤمن الحقيقي هو العارف الرباني
و الدليل على ما ادّعيناه من كون المؤمن الحقيقي هو العارف الرّباني و الحكيم الإلهيّ ممّا يستفاد من هذه الآيات على أتّم وجه و أوضحه، فإنّ ما ذكره تعالى في علّة البعثة و غاية الرسالة من قوله: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ يدلّ دلالة واضحة على أنّ نتيجة البعثة دعوة الخلق إلى و الحكمة، و أنّ الايمان باللّه و الرسول عبارة عن تعلّم الكتاب و الحكمة بالحقيقة لا بالمجاز، و إلّا لكان الايمان إيمانا بالمجاز، فيكون المؤمن المجازي مسلوبا عنه الايمان الحقيقي- كما هو قاعدة إطلاق اللفظ على سبيل المجاز.
فثبت أنّ الايمان الذي يكون فائدة البعثة و ثمرة إنزال القرآن عبارة عن صيرورة كون العبد المسلم حكيما عارفا بحقائق ما في الكتاب- لا بمجرّد حفظ الألفاظ و تكرارها، و لا بمجرّد تفسير العربية و نكاتها البديعية- فإن معرفة ألفاظ العرب و دقائق علم البيان ليس من مقصود علم القرآن في شيء، بل المقصود سياقة الخلق إلى جوار اللّه بالعلم بحقائق الأشياء و التجرد عن علائق الدنيا، و هي لا تحصل بمجرد الاطلاع على علم العربيّة و لا الكلام، و القرآن إنّما نزل بلغة العرب ليكون أوضح دلالة و أفصح بيانا، إذ لا يكون في دقّة الألفاظ و غرابة أبنية الكلام فائدة يعتدّ بها كما دلّت عليه آيات كثيرة مثل قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [٣/ ٤٣] و قوله: وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [١٦/ ١٠٣].