تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤ - الإشراق الخامس فهم القرآن
لا احصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك [١١].
و هو إنّه لمّا قيل له: اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ [٩٦/ ١٩] فوجد القرب في سجوده، فنظر إلى الأفعال فاستعاذ من بعضها ببعض، ثمّ زاد في قربه فنظر إلى الصفات فاستعاذ من بعضها ببعض فإنّ الرضا و السخط صفتان، ثمّ زاد في قربه و اندرج القرب الأوّل فيه، فترقى إلى الذات و قال: أعوذ بك منك.
ثم زاد في قربه و استحيى عن الاستعاذة على بساط القرب فالتجى إلى الثناء فأثنى بقوله: لا احصي ثناء عليك، ثمّ علم أنّ ذلك قصور فقال: أنت كما أثنيت على نفسك.
فهذه و أمثالها خواطر تفتح لأرباب المعاني و أصحاب القلوب، ثمّ لها أغوار و أسرار وراء هذا المعنى، و هو معنى فهم القرب و اختصاصه بالسجود، و معنى الاستعاذة من فعل إلى فعل و من صفة إلى صفة و منه به.
و أسرار ذلك كثيرة و لا يدلّ ظاهر تفسير اللفظ عليها، و مع ذلك فليس مناقض لظاهر التفسير، بل هو استكمال له و وصول إلى لبابه عن قشره فإنّ للقرآن حقيقة كالإنسان، و له قشران و لبّان كالجوز، و لكلّ منها مراتب كثيرة حسب تعدّد النشآت، و كما أنّ الإنسان الحسّي صنم لسائر مراتبه واقع في أوّل درجات الإنسانيّة و مراتبه و معارجه، و أعلى منه الإنسان المثالي، ثمّ الإنسان النفسي، ثمّ العقلي كالحكماء، ثمّ الإلهي كالمتألهين من العرفاء و الأولياء:
- فهكذا يجب أن يعلم مراتب فهم القرآن ١٧ فكلّ أحد لا يفهم إلّا بما يتحقّق
[١١]
مسلم: كتاب الصلاة (ما يقال في الركوع و السجود) ج ٤ ص ٢٠٣: أعوذ برضاك من سخطك و بمعافاتك من عقوبتك و أعوذ ... و جاء مثله في أبي داود: كتاب الصلاة (باب الدعاء في الركوع و السجود) ج ١ ص ٢٣٢.