تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٢ - الإشراق الخامس فهم القرآن
الإشراق الخامس [فهم القرآن]
كلّ من اكتفي بظاهر العربيّة و بادر إلى تفسير القرآن بمجرّد نقل الكتب و حمل الأسفار من دون الارتقاء إلى عالم الأنوار و فقه الأسرار و نقاء السريرة عن أغراض هذه الدار و خلاص القلب عن غشاوة هذه الآثار فهو حري بهذا التمثيل، فإنّ الاطلّاع على ظاهر العربيّة و حفظ النقل عن أئمّة التفسير في ترجمة الألفاظ لا يكفي في فهم حقائق المعاني، و من أراد أن ينكشف له أنّ هذه المرتبة ليست من مرتبة إدراك المعاني القرآنيّة، و الاطّلاع على حقائقها فليتأملّ في مسألة واحدة منها و عجز المفسّرين عن دركها، ليقيس عليها غيرها، و هو أنّ اللّه تعالى قال: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨/ ١٧].
و ظاهر تفسيره واضح جلي، و حقيقة معناه في غاية الغموض، فإنّه إثبات للرمي و نفي له، و هما متضادّان في الظاهر ما لم يفهم أنّه رمى من وجه، و لم يرم من وجه، و من الوجه الذي لم يرم رماه اللّه تعالى. ثمّ يفهم ١٥ إنّه ما جهة الوحدة و الهوهويّة، و ما جهة الغيريّة و الكثرة.
و كذلك قال تعالى: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [٩/ ١٤] فإذا كانوا هم القاتلين كيف يكون اللّه هو المعذّب، و إن كان اللّه هو المعذّب بتحريكهم فما معنى أمرهم ١٦ بالقتال؟
فالتحقيق في مثل هذا المقام يحتاج إلى العلوم المتعالية عن علوم المعاملات، و لا يغني عنه علوم العربيّة و تفسير الألفاظ، و لعلّ العمر لو اتّفق في