تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٢ - الإشراق الثالث أعلى مراتب الذكر
الإشراق الثالث [أعلى مراتب الذكر]
لما قرع سمعك مراتب الذكر و درجات الذاكر و نتيجة كلّ مرتبة و أنّ بعضها فوق بعض فوقيّة الشرف و الذات إلى حيث يصير الذكر و الذاكر و المذكور شيئا واحدا، فاعلم أنّ ذلك إنّما يتصوّر بأن يتمكّن [١٤] المذكور في القلب تمكّنا شديدا و حصولا مشرقا نوريّا، بحيث ينمحي الذكر أو يخفى و لا يلتفت القلب إلى الذكر أصلا و لا إلى الذاكر- أي القلب نفسه- بل يستغرق جملته في المذكور.
و مهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر يكون ذلك حجابا عن المقصود و هويّته بالنسبة إلى الغاية الأصلية، و ذلك بأن يغيب عن نفسه حتّى لا يحسّ بشيء من ظواهر جوارحه و لا من العوارض الباطنة فيه، بل يفنى عن جميع ذلك و يغيب عنه جميع ذلك ذاهبا إلى ربّه أوّلا، كما قال الخليل- على نبيّنا و عليه السّلام- فيما حكى اللّه تعالى عنه: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي ثمّ ذاهبا فيه كما يومي إليه قوله: سَيَهْدِينِ [٣٧/ ٩٩] فإن خطر له في أثناء ذلك إنّه ذهب إلى ربّه و فنى عن نفسه و غاب عن ذاته، فذلك سكون عن الذهاب في الجملة و وقوف مع النفس، فهو شوب و كدورة، بل الكمال في أن يفني عن نفسه و يفني عن الفناء أيضا، فالفناء عن الفناء غاية الفناء و نتيجته البقاء [١٥]. و الغيبة عن الغيبة كمال الغيبة و فائدته الحضور.
و هذا يظنّه الفقيه الرسمي أنّه مجرّد ألفاظ بلا طائل، أو طامات غير
[١٤] يستمكن- نسخة.
[١٥] نتيجة البقاء- نسخة.