تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨١ - إشراق شمسي السعادة و الشقاوة و الإنسان المختار
فالاختيار له بمنزلة الفعل الطبيعي لغيره، لأنّ ذاته ليست ممّا يقف على حد و مقام في جوهره و هويّته، بل ينقلب من طور إلى طور، و من نشأة إلى نشأة، و سعة هذه التقلّبات في الإنسان الكامل أكثر و تخالف أطواره أشدّ، و قوسه الصعوديّة أعظم، و ارتقائه إلى عالم الملكوت أعلى و أتمّ، فلذلك قيل: إنّ الإنسان مضطرّ في صورة مختار.
فالمختاريّة مطبوعة فيه، اضطراريّة له، و هو مجبول عليه كما جبل طبع الماء و النار و الخبز و اللحم على التبريد و التسخين و التغذية، فهو من لدن أوّل تكوّنه النطفي إلى تمام بلوغه الحسّي و استعداده النطقي لم يكن لاختياره في الترقيّات و التقلّبات مدخل، حتّى بلغ إلى مرتبة حيوان تامّ الحيوانيّة، منتصب القامة، عريض الأظفار، بادي البشرة. ثمّ من عند كونه عاقلا مكلّفا ينتقل باختياره الذي هو عين اضطراره و يتطوّر بأطواره في مراتب افتقاره، فهو امّا أن يرتقي إلى أعلى علّيين، أو يتردّى إلى أسفل سافلين، أو يقع في أحد أوساط المتوسّطين، حسب ما شاء اللّه و كتب في كتابه المبين: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ الآية ... وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها الآية [١١/ ١٠٥- ١٠٨] أمّا السعيد فلا يختار إلّا عمل أهل السعادة، و أمّا الشقيّ فلا يختار إلّا عمل اهل الشقاوة أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها [٣٢/ ١٩- ٢٠].
و مع ذلك فلا اعتذار لأحد في الشريعة، بل الجميع خوطبوا بخطاب