تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٤ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٦٣ الى ٦٧
فثبت و تحقّق عند العارف المحقّق أنّ اللّه قد أودع في موادّ الكائنات قبول فنون من الصور و الكمالات و القوى و الكيفيّات، و أودع بعنايته و حكمته في صورها توجّها طبيعيّا إلى ما هو أشرف و أقرب إلى أفق النور و عالم الرحمة و السرور، ثمّ أفاض عليها رحمة بعد رحمة و هداية بعد هداية، حتّى أوصلها إلى غايات درجاتها و نهايات حركاتها، و هكذا إلى أن تنتهي حركاتها و انتقالاتها إلى الحيوانيّة، ثمّ إلى الإنسانيّة، و كلّما حصل فيها كمال أتمّ و صورة أقوى كانت عشقها و شوقها إلى ما هو كمال و غاية لها أكثر و أشدّ.
فإذن ثبت و تحقّق أنّه لا يجوز أن تقف حركة الوجود عند الإنسان و تسكن لديه و لا تتجاوزه إلى ما هو خير حقيقي، لنقصانه ما دام في الدنيا عن تمام الارتقاء إلى عالم الدوام و البقاء.
فقوله: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي: تبذرون حبوبه في الأرض- و قوله:
أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أي: تنبتونه و تغذونه و تنمونه و تجعلونه في أطوار الخلقة و تبلغونه إلى أن تبلغ الغاية و تصل النهاية.
و
عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: لا يقولنّ أحدكم: زرعت. و ليقل:
حرثت [٣٨].
و سبب نهيه عن ذلك الاشتباه الواقع للناس بين المعدّ و الموجد كما مرّ.
و قوله: (فظلتم) و قرء: فضللتم على الأصل- تفكّهون: أي تعجبون ممّا نزل بكم في زروعكم حيث جعل حطاما و صار هشيما لا ينتفع به.
و عن الحسن و قتادة و عكرمة: تندمون على تعبكم فيه و انفاقكم عليه و أصله من التفكّه في الحديث [٣٩]، و هو التلهّي به. فكأنّهم يتروّحون إلى الندم
[٣٨] الدر المنثور: ج ٦ ص ١٦١.
[٣٩] بالحديث- نسخة.