تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠ - مقدمه المؤلف
و مقاصد عظيمة في معرفة نفوس العباد، و درجاتها بحسب حالاتها في الدار الآخرة، و أقسامها من جهة السعادة و الشقاوة في النشأة الباقية. و علوم الآخرة ممّا يختصّ بدركها عرفاء هذه الملّة و حكمائها الراسخون، و ليس لغيرهم من المتكلّمين و الفقهاء إلّا سماع [٣] الألفاظ و التصرّف في مفهوماتها.
و جمهور الحكماء بعلومهم الفلسفيّة عن إدراك أحوال المعاد معزولون [٤]- حتّى أنّ رئيسهم أبا علي اعترف بالعجز و القصور عن فهم المعاد الجسماني- و كذلك المجتهدون في مسائل الاعتقاد منخرطون في سلك التقليد مع ساير العباد.
و إنّي كنت سالفا كثير الاشتغال بالبحث و التكرار، و شديد المراجعة إلى مطالعة كتب الحكماء النظّار، حتّى ظننت أنّي علي شيء. فلمّا انفتحت بصيرتي قليلا و نظرت إلى حالي، رأيت نفسي- و إن حصّلت شيئا من أحوال المبدإ و تنزيهه عن صفات الإمكان و الحدثان، و شيئا من أحكام المعاد لنفوس الإنسان- فارغة من علوم الحقيقة و حقايق العيان، ممّا لا يدرك إلّا بالذوق و الوجدان، و هي الواردة في الكتاب و السنّة من معرفة اللّه و صفاته و أسمائه و كتبه و رسله، و معرفة النفس و أحوالها من القبر و البعث و الحساب و الميزان و الصراط و الجنة و النار- و غير ذلك- مما لا تعلم حقيقته إلّا بتعليم اللّه، و لا تنكشف إلّا بنور النبوة و الولاية.
و الفرق بين علوم النظّار و بين علوم ذوي الأبصار كما بين أن يعلم أحد حدّ الحلاوة و بين أن يذوق الحلاوة، و كم بين أن تدرك حدّ الصحّة و السلطنة و بين أن تكون صحيحا سلطانا، و كذلك مقابل هذه المعاني.
[٣] اسماء- نسخة.
[٤] معتزلون- نسخة.