تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٨ - الإشراق الثالث الرزق المخصوص بالإنسان
و إمّا نفسيّة و إمّا بدنيّة، و الأوّل كلذّة العلم و الحكمة، و الثاني كلذّة الجاه و الحكومة، و الثالث كلذّة الأكل و المجامعة.
و في الأخيرين يقع الاشتراك بينه و بين سائر الحيوانات.
و أمّا المطالب العقليّة فهي أقلّها وجودا و أشرفها رتبة، أمّا قلّتها فلأنّ المعرفة لا يستلذّها إلّا العلماء و الحكمة لا ينالها إلّا الحكماء، و ما أقلّ أصحاب العلم و الحكمة، و ما أكثر المتسمين باسمهم و المترسّمين برسمهم، و أمّا شرفها فلأنّها لذّة لا تزول أبدا- لا في الدنيا و لا في الآخرة- و دائمة لا تمل، و الطعام و الشراب يشبع منه، و شهوة الوقاع يفرغ و يستثقل، و من قدر على الشريف الباقي أبد الآباد إذا رضي بالخسيس الفاني أقرب الآماد فهو سفيه في عقله محروم بشقاوته و إدباره.
ثمّ العلم لذيذ و نافع و جميل في كلّ حال، و المال و الأولاد تارة تجذب إلى الهلاك، و تارة تجذب إلى النجاة، و لهذا قال تعالى: إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [٦٤/ ١٥].
و أمّا قصور أكثر الخلق عن إدراك لذّة العلم فإمّا لعدم الوجدان و الذوق، فمن لم يعرف لم يذق، و من لم يذق لم يشق، إذ الشوق تابع للذوق.
و إمّا لفساد فطرتهم الأصليّة و مرض قلوبهم بسبب اتّباع الشهوات، كالمريض الذي لا يدرك حلاوة العسل و يراه مرّا، و إمّا لقصور فطرتهم إذ لم يخلق بعد لهم الغريزة التي بها يستلذّ العلم، كالطفل الرضيع الذي لا يدرك لذّة الطعوم اللذيذة إلّا اللبن.
فالقاصر عن لذّة المعرفة و الحكمة ثلاثة: إمّا من لم يحي باطنه كالجنين بل كالمني و إمّا من مات بعد الحيوة باتّباع الشهوات، و إمّا من مرض بسبب