تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٧ - مكاشفة في أن الجنة و النار حق
- باعتبار تأثيرها في عادات النفس و ملكاتها- علاقة طبيعية مع أعيان الأمور الاخروية.
فكما إن الأمر المسمّى «بالمعصية» في الدنيا يؤدى لصاحبها في الآخرة إلى الاحتراق بالنار، و التعذيب بالحميم و الزقّوم، و التصلية للجحيم، فكذا المسمى «بالطاعة» يظهر في الآخرة بصورة الجنة و الرضوان، و التنعم بالفواكه و الحور و الغلمان، و الولدان، فهذه الأفعال المحمودة التي هي الطاعات إنما يراد لأجل اكتساب الأخلاق الحسنة، و كذا الأفعال المذمومة إنما يترك لأجل أنها ستنجرّ إلى الأخلاق السيئة.
فالغرض من الأوامر الشرعية- أفعالا كانت أو تروكا- إنما هو تحسين العادات، و تقويم الملكات، و تبديل السيئات منها إلى الحسنات بتوفيق من اللّه و تأييد منه، كما قال سبحانه في حق المخلصين من عباده: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [٢٥/ ٧٠].
و كما ان في الدنيا كل صفة تغلب على باطن الإنسان و تستولى على نفسه بحيث تصير ملكة لها يوجب صدور أفعال منه مناسبة لها بسهولة و يصعب عليه صدور أضدادها غاية الصعوبة، و ربما يبلغ ضرب من الاولى حد اللزوم، و ضرب من الثانية حد الامتناع. فهكذا حال الملكات و الأخلاق في الآخرة، إذ كل صفة بقيت في النفس و رسخت فيها و انتقلت معها إلى تلك الدار صارت كأنها لزمتها و لزمت لها الآثار و الأفعال الناشية منها بصور تناسبها، و ليست الأفعال و الآثار الدنياوية في لزومها لمصادرها التي هي الملكات بتلك المثابة- إذ الدنيا دار اكتساب، و للعلل الاتفاقية فيها تداول و جولان، و للدواعي و الصوارف الخارجية تسلط و دوران، فالشقيّ ربما يصير بالاكتساب سعيدا و بالعكس- بخلاف الدار الآخرة- فإن باب الاكتساب و التحصيل فيها مسدود، و لكل نفس فيها حد محدود، كما أشير إليه في قوله تعالى:
لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [٦/ ١٥٨] و لأن الدنيا دار تعارض الأضداد و تفاسد المتمانعات بخلاف الآخرة، لكونها دار الجمع و الاتفاق من غير تزاحم و لا تضاد، فالأسباب هناك لا يكون إلا عللا ذاتية كالفواعل الحقيقية و الغايات الذاتية دون العرضية، فكل ما يصلح أثرا لصفة نفسانية لا يتخلّف