تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٦ - مكاشفة في أن الجنة و النار حق
يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [٤١/ ٤٤].
و من الآراء السخيفة أيضا اعتقاد أكثر الناس إن أجسام أهل الجنة أجساد لحمية كثيفة، مركبة من أخلاط أربعة قابلة للاستحالات معرضة للآفات. و إذا تأمّل أحد فيما وصف اللّه تعالى من صفات أهل الجنة ظهر له فساد هذا الرأي، و ذلك قوله سبحانه: لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ [١٥/ ٤٨] و: لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ [٤٤/ ٥٦] و انهم فِيها خالِدُونَ [٢/ ٢٥] و: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢/ ٦٢].
و من علامات حقيّة الاعتقادات أن لا يقع فيها تناقض و تخالف، و هرج و مرج، و أكثر آراء المجادلين و المتشبهين بالعلماء- كأكثر الكلاميين- يكون بحيث إذا أعرض صاحبه على عقله أنكره ضميرا- و إن أقرّ به لسانا- و يجده مناقضا لسائر اعتقاداته و أصوله، فيقع عند ذلك في شك و حيرة و سوء ظن بربه، كما قال اللّه تعالى: ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [٤١/ ٢٣].
و لا بد لكل أحد أن يعلم أن الجنة و النار الجسمانيتين غير معلومتي الكنه إلا للمكاشفين، الذين اكتحلت عيونهم بنور اللّه و غلب عليهم ظهور سلطان الآخرة، فصاروا بحيث يكون أبدانهم في الدنيا ساكنة ١٤٧، و أرواحهم في الآخرة سائرة، فهم من أهل الاطلاع على حقائق الأمور الاخروية، و لا بد للمحجوبين و من لم يقف على أسرارهم و لم يصل بعد إلى مقامهم أن يعتقدوا ايمانا بالغيب إن الجنة التي عرضها السموات و الأرض موجودة في عالم الغيب، بحيث لا يمكن مشاهدتها بهذه العين، و ليست أجسام الآخرة من هذه الأجسام حتى يقع بينهما تزاحم و تضائق، بل التزاحم و التضائق من خواص هذه الأجساد التي يشاهد بهذه الحواس الداثرة المستحيلة، و تلك الأجساد لا تشاهد إلا بالبصيرة الباطنية.
و لا بد أيضا أن يعلم ١٤٨ كل من آمن باليوم الآخر إن للأعمال و الأفعال الدنيوية