تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٦ - قوله سبحانه سورة السجده(٣٢) الآيات ٨ الى ٩
و توسطه بين الكيفيات المتقابلة التي هي من أوائل الملموسات، و الأطراف المتضادة و التوسط بين الكيفيات المتقابلات بمنزلة الخلّو عنها.
و ليس المراد منه ما سماه الحكماء «النفس الناطقة» التي هي جوهر مدبّر للبدن، مرتبتها مرتبة العقل الهيولاني و لها استعداد الترقي إلى مقام الروح الإلهي الذي هو من أمر اللّه، و كل ما كان من أمر اللّه و عالم جبروته و قاهريته فشأنه التأثير في الأشياء بالقهر و الإبداع من غير انفعال و استكمال بما تحته، فكيف يكون منفعلا عن البدن و يكون الحاصل منه و من المادة البدنية نوعا طبيعيا ذا مادة و صورة، له تركيب اتحادي بينهما، كما هو شأن النفس، و النفس إذا أثرت في شيء ما اثرت إلا بتأييد هذا الروح المسمى عند بعضهم بالعقل الفعال.
و إليه
أشار النبي (ص) في قوله: «إن اللّه تبارك و تعالى خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل و لا ملك مقرب، و هو أول ما خلق اللّه، قال له: «أدبر» فأدبر. ثم قال له: «أقبل» فأقبل. فقال: «تكلّم» فقال:
الحمد للّه الذي ليس له ضد و لا ند، و لا شبيه و لا كفو، و لا عديل و لا مثل، الذي كل شيء لعظمته خاضع ذليل.
فقال الرب تبارك و تعالى: و عزتي و جلالي ما خلقت خلقا أحسن منك، و لا أطوع لي منك، و لا أرفع منك، و لا أشرف منك، و لا أعزّ منك، بك احيي و بك آخذ، و بك اعطي و بك اوحّد، و بك اعبد و بك ادعى، و بك ارتجى و بك ابتغى، و بك أخاف و بك احذر، و بك الثواب و بك العقاب.
فخرّ العقل عند ذلك ساجدا فكان في سجوده ألف عام، فقال الرب تبارك و تعالى: ارفع رأسك، و سل تعط، و اشفع تشفع.
فرفع العقل رأسه فقال: إلهي أسئلك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه.
فقال اللّه جل جلاله: أشهدكم إني قد شفّعته فيمن أخلقه فيه».
و هذا الحديث متفق عليه بحسب الفحوى، و إن كانت العبارات مختلفة النقل،