تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٥ - تفصيل تنبيهي
تفصيل تنبيهي
إن ما ذكرناه من مرور الحقيقة الإنسانية و الفطرة الآدمية على جميع العوالم و النشآت، و استجماعها لجميع الحقائق من أعلى سماء عالم القدس إلى أسفل أرض التجسّم شيء استبشعه ذوق أرباب العلوم الرسمية، لعدم انطباقه على ملفقات أفكارهم القياسية، و أما أرباب الحكمة المتعالية و الناظرون بعقولهم المستفادة من الحق و عيونهم المكحلة بنور التوحيد في الأسباب الاول و الغايات الأخيرة لموضوعات علومهم و معارفهم، فهم عارفون بأن علة الشيء كما أنها مقوم وجوده، فهي مقوم حده الحقيقي، و أن «ما هو» «و لم هو» أمر واحد في كل وجود صوري يحتمل البقاء الأبدي إذا المجعول عندهم نحو وجود المعلول بالجعل البسيط، و هو عين هويته الخارجية التي هي وجه من وجوه علته الجاعلة، و العلة الجاعلة تمام حقيقة المعلول و صورته العقلية.
ثم إن كل موجود من الموجودات الكائنة في هذا العالم له طور واحد من الأطوار لا يتعدّاه، إلا الهوية الإنسانية، فإن لها قابلية الارتقاء من أسفل الأسافل إلى أعلى الأعالى.
و هذا أيضا يختص ببعض أفراد الإنسان المسافر إلى ربه في تمام القوس الصعودية من دائرة الوجوب، دون غيره الذي لا يكون له هذه السعة من القابلية. و إن قطع في سيره الضعيف مقدارا قليلا من تلك القوس النصفية الصعودية منها كباقي الحيوانات، بل ربما يكون أضل سبيلا و أضيق مجالا منها كما نطق به التنزيل.
و السر في هذا أن مواطن أفراد الإنسان و معاد كل صنف منه إلى ما هو مبدأ وجوده إن لم يمنعه عائق خارجي- فرب إنسان يكون الحق علة وجوده و مباشر تكوينه بيديه فيكون إليه معاده كما منه بدؤه، و رب إنسان يكون مبدأ وجوده القريب أحد المبادي النازلة التي تكون في أخير المراتب.
بل ربما يكون وجوده بمدخلية بعض الشياطين، الذين هم من عمار عالم الشر و الوسواس، فيكون مثل هذا الإنسان الممسوس بنار الشيطان راجعا إلى أصله الذي