تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٣ - الفائدة الثانية
الأوليات الحاصلة من المشاركات و المباينات بين ما يقع الإحساس بها من المحسوسات الجسمانية، فتكون النفس في أول الاستكمال محتاجة إلى البدن و قواه على الوجه المذكور، و لذا قيل: «من فقد حسا فقد علما».
ثم إن البدن جسم مركب من عناصر متضادة فله بحسب كل منها أضداد يجب الاحتراز عنها في مدة بقائها، و هو في أول التكون قليل المقدار صغير الجسم لكون كل بدن حاصلا من مثله في النوع بفضلة تحصل منه، و فضلة الشيء لا يمكن أن يساويه، فلهذا الوجه و لوجوه اخر مذكورة في مقامه لا بد أن يكون في أول الحداثة قليل المقدار غير تام الخلقة، و يكون تمامه بورود الجسم الشبيه به- قليلا قليلا- في مدة حياته و هو الغذاء و طلبه إنما يكون بالشهوة، و الشهوة لا بد لها من إدراك سابق لأن كل جسم لا يصلح للتغذي، إذ ربما يكون سما قاتلا أو مضرا، فيحتاج الإنسان إلى قوة ما يدرك المصلح عن المفسد في الأجسام الغذائية، و لا بدّ أن يكون مدركا بإدراك جزئي من الحواس الظاهرة- لأجل التميّز- و الباطنة- لأجل الحفظ و الذكر- إذ ربما لا يكون في كل جسم ما يشهد كونه ملائما أو منافيا في كل وقت.
فثبت إن استكمال النفس متوقف على بقاء البدن مدة، و بقاء البدن متوقف على قوى ثلث لأمور ثلاثة: قوة العلم للتميز بين المصلح و المفسد، و قوة الغضب لدفع المفسدة، و قوة الشهوة لجلب المنفعة.
و مباشرة النفس لهذه القوى الثلاث من باب الضرورة كما علمت، و إلا فكمالها في التجرد عنها، و من ابتلى بصحبة الأخسّاء من الأضداد فما دام اشتغاله بها و عدم الخلاص عنها فالتوسط بين الأضداد بمنزلة الخلوّ عنها، فإن الماء الفاتر بمنزلة الخالي عن الحرارة و البرودة- فكمال النفس- عند استقلالها بالقوى الثلاث و استعمالها إياها- توسطها بين الإفراط و التفريط فيها لأن لا ينفعل عنها و لا يطاوعها في مآربها، بل يستعملها على هيئة الاستعلاء عليها لا الانقهار عنها، و هي إنما تحصل بالتوسط فيها.
أما قوة العلم- أي استعمال الحواس الظاهرة و الباطنة في امور الدنيا-