تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٤ - مكاشفة
الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٤٣/ ٣٦).
و تمام التحقيق في هذا المرام: إن قلب الإنسان ذو وجهين:
وجه إلى عالم الملكوت- و هو عالم المعرفة، و عالم الآخرة، و عالم الإلهام- و وجه إلى عالم الحسّ- و هو عالم الجهل و عالم الدنيا و عالم الوسواس- ثم إن الخواطر التي ترد على قلبه و تبعثه على الأفعال و الحركات إما أن تنبعث من الجنبة العالية و تدعوه إلى الخير- كالعبادة و المعرفة- أو تنبعث من الجنبة السافلة و تدعوه إلى الشر- كالمعصية و الغفلة- فهما خاطران مختلفان، فافتقرا إلى اسمين مختلفين- أيضا- و هما حادثان فاحتاجا إلى سببين مختلفين، لأن اختلاف المعاليل الحادثة يدل على اختلاف عللها القريبة و إن كان المؤثر في فيضان الوجود مطلقا هو اللّه لبرائته عن شوائب الإمكان و الدثور.
فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى في عرف الشريعة «ملكا» و ذلك الخاطر «إلهاما» و سبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى «شيطانا» و الخاطر «وسوسة».
و اللّه تعالى خالق كل شيء، فخلق الملائكة لصفة رحمته و لطفه، و خلق الشياطين لصفة قهره و غضبه، و كما أن الجنة أثر من آثار رحمته و نور من أنوار لطفه و رأفته فكذلك النار أثر من آثار غضبه و شعلة من شعل قهره، فالإنسان متى اشتغل بعبادة ربه و معرفة خالقه انخرط في سلك رحمته و دخل في زمرة الملكوتيين، و مهما اشتغل بالمعاصي و الشهوات و متابعة الهوى و الشيطان استعد لمقته و غضبه و عدّ من جملة الشياطين فالإلهامات من جانب الحق بواسطة الملك لعباده الصالحين في مقابلة الوساوس من جانب الشيطان.
و إنما يسلط الشيطان على قلب ابن آدم بواسطة «الخذلان» الحاصل له من مخالفته الحق و العصيان، و إلا فليس له في ذاته هذا التسلط على الإنسان و إنما يدفع كيده عنه بواسطة «التوفيق» الذي يجلبه الإنسان بفعل الطاعة و العبادة، فإذا زال كيده و دفع وسواسه عن القلب استعد لقبول الإلهامات الداعية إلى الخير و النور، الصارفة له