تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٣ - مرآة آدمية فيها آيات ربانية و أنوار رحمانية
و الأحكام الحقة اليقينية، و كايمانه باللّه و ملائكته و كتبه و رسله، و إذعانه ليوم الآخرة، و رجوع الخلائق إلى الخالق- و ذلك عند صيرورته عقلا مستفادا عقيب تكرار الإدراكات و تكثّر المشاهدات، حتى صار مستغنيا في إحضار مخزوناته و إفادة معقولاته عن الآلات و الحركات الفكريّة بل كلما توجّه إلى معقول حضر ذلك المعقول عنده ممثّلا (ماثلا- ن) بين يدي ذاته المجردة.
و بعضه يشبه الاختراع- كالحال عند تمثّل الصور له في الخيال، فإن افادة العقليّات تشبه الإبداع، و الخياليات تشبه الاختراع، و كذلك أفاعيله الطباعية الواقعة منه في البدن من غير فكر و رويّة- كحفظ المزاج، و جذب الغذاء و دفعه، و تصوير الأعضاء و تشكيلها بإذن اللّه و كلمته و تأييد من عند اللّه بجنود لم تروها.
و بعضه يشبه التكوين- و هو أفعاله الظاهرة الحاصلة بإرادته و قصده و حركته كالكتابة و الأكل و الشرب و ساير أفعاله البدنية و النفسية التي فيها مصلحة أعضائه و قواه و جنوده الظاهرة بحسب معاشه و دنياه، بحيث يؤدّي أولاه إلى إصلاح معاده و أخراه يستعد بذلك السعادة القصوى.
و أما من حيث مملكته و عالمه و إجراء أوامره في عباده و بلاده، فعالمه الصغير أعني بدنه و ما يرتبط به يضاهي مجموع العالم الكبير أعني السموات و الأرض و ما يتعلق بهما و أمره في أفراد عالمه يضاهي أمر الحق في أفراد العالم فكما أن لأفعال اللّه سبحانه من لدن صدورها من مكامن غيبها إلى مظاهر شهادتها أربع مراتب- و هي العناية، و القضاء، و اللوح، و القدر الخارجي- كما أشرنا إليه فكذلك لأفعال خليفة اللّه و صدورها أربع مراتب:
لأن كلّما يصدر عنه فقد وجد أولا في ممكن سرّه الذي هو غيب غيوبه، و عقله الإجمالى، و كتابه القرآني، ثمّ ينزل إلى حيّز قلبه الباطني و نفسه الناطقة عند استحضاره بالفكر و إخطاره بالبال، كاحضار التصورات الكلية و القضايا