تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠١ - المقصد الثاني في معنى السنة و النوم
الكاتب الذي زمنت يده و خرجت عن أن يكون لها صلاحيّة الكتابة، فإن معنى «الموت» في الحقيقة زمانة البدن كلّه، و أنت تعلم أن زمانة اليد خروجها عن طاعة النفس مع وجود شخصها، لبطلان القوّة التي بواسطتها يستعمل اليد.
فافهم إن كنت من أهله أن الموت زمانة مطلقة في جميع الأعضاء ببطلان قواها، فيسلب الموت منك يدك و رجلك و عينك و سائر حواسّك، و أنت باق- أعني حقيقتك التي بها أنت أنت، فإنّك الآن الإنسان الذي كنت في الصبى و لعلّه لم يبق منك من تلك الأجسام شيء، بل انحلّ كلّها و حصل بالغذاء بدلها و أنت أنت، و جسدك غير ذلك الجسد.
فالحاصل أن للنفس في استعمالها القوى و الحواسّ الظاهرة حالات أربعة:
قوّة، و استعداد، و فعليّة، و بطلان. فالقوّة: كما للجنين قبل خروجه إلى الدنيا.
و الاستعداد: كما للنائم و السكران و المغمى عليه. و الفعليّة: كما لليقظان. و البطلان: كما للميت.
و اعلم أن النوم و الموت مشتركان أيضا في بقاء المدارك الباطنيّة للنفس الناطقة- كالعقل و الوهم و الخيال-.
و تحقيق ذلك على أن العوالم بكثرتها ثلاثة، و المدارك الإنسانية على شجونها ثلاثة، و الإنسان بحسب غلبة كل واحدة منها يقع في عالم من هذه العوالم و النشآت، فبالحسّ يقع في العالم الدنياوي، و به ينال الصور الحسية الكائنة الفاسدة الملذّة و المولمة بحسب الملائمة و المنافرة، و بالقوّة الباطنيّة الجزئية يقع في النشأة الثانية التي هي عالم الصور الأخروية المنقسمة إلى الجنّة و الجحيم، و بالقوة الباطنة العقلية يقع في النشأة الثالثة التي هي عالم الصور العقليّة الإلهية الأفلاطونيّة.
فالناس أصناف ثلاثة: أهل الدنيا- و هم أهل الحس كالأنعام و البهائم أو