تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦١ - المشرع الثاني في قرائة التهليل
قال بعض أصحاب القلوب: يا رافع الصوت بالدعاء و يا جهوري الصياح في النداء أمن الضرب تتألّم أو مع أكفاءك تتكلّم؟ أقسّام جهل قسمك؟ أم رزّاق نسى أسمك؟ سبحان اللّه عما يصفون، و تعالى ذاته عمّا يشركون، أنام من خلق الأنام؟ أ تظنّون أن لا تأكلوا أرزاقكم دون أن ترفعوا أصواتكم- انتهى.
ثم لا شبهة في أنّ لسان الحال أفصح، و رواح الرحمة أبسط و أفسح، و فائدة الذكر و التهليل هو القرب من الحقّ الجليل، و هو إنّما يحصل بمكالمة الباطن بلسان الحال دون مقارعة الأسماع بآلة الاصطكاك بالمقال، و كلّما كانت العبادة أسرّ و أخفى فهي أبعد عن شائبة الرعونة و الرياء، و لهذا المعنى اختار المخلصون من أهل اللّه و السالكون سبيل العبوديّة الخلوة عن الخلق للذكر و المناجاة و آثروا العزلة عن الناس حذرا عن الوسواس، و استوحشوا من رؤيتهم خوفا عن مزاحمة الأغيار، بل لا يحتملوا الهمس من الخفيف في أوقات انزعاجهم إلى الحق، كيلا يشوّش حالهم و لا يتكدّر عيشهم و منالهم.
هذا حال المريدين السالكين قبل الوصول، و أمّا عند تحقّقهم بالوجود البقائي بعد تمام حركاتهم ذاهبين إلى ربّهم أو لا، ثمّ ذاهبين فيه أخيرا فلا يتفاوت عندهم الخلوة و الجلوة، و الإسرار و الإظهار، بل ربما كان لهم و لغيرهم في الجهر و الإعلان مصلحة دينية و حكمة شرعية يرجع إلى نفس الإنسان بشخصه أو إلى إصلاح مدينة فاضلة، كما في الجمعة و الجماعات و الأعياد و الجيوش، و حيث ما ورد في الشرع الأقدس من استحسان رفع الصوت و الإعلان كما في الأذان و في مواضع من الصلوات المكتوبة و غيرها.
و يناسب ذلك ما روي عن أهل الشرائع القديمة أنهم ندبوا في شريعتهم إلى رفع الأصوات بالأذكار في معابدهم، و كذا ما قاله بعض قدماء الحكماء:
ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيّات و صفاء الطويّات يحل ما