تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٨ - المشرع الأول في نظمه بما سبق و ما لحق
فقيوميّته تدلّ على أن لا فاعل غيره، كما أن ذاته تدل على أن لا واجب سواه لقوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [٣/ ١٨].
فهذه العلوم الثلاثة التوحيديّة- أعني توحيد الذات، و توحيد الصفات، و توحيد الأفعال- أعلى طبقات العلوم، و أعلى هذه و أشرفها هو علم الذات، ثم علم الصفات، ثم علم الأفعال، و لهذا وقع بهذا الترتيب في قوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و كذا وقعت الدلالة على هذه العلوم الثلاثة في قوله سبحانه: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [٢/ ١٦٣] بهذا المنهج، فإن قوله «إلهكم اله واحد» توحيد للذات، و قوله «لا اله الّا هو» توحيد الصفات على ما قرّرناه و قوله «الرّحمن الرّحيم» أي رحمن الدنيا و رحيم الآخرة:
توحيد الأفعال.
هذا طريق التدرّج في مسلك الإلهية.
و أما طريق التدرّج في مسلك العبودية فبعكس هذا الترتيب، و هو الترقّي من الأفعال إلى الصفات، و من الصفات إلى الذات، فكما أن طريق الإلهيّة يقتضي التدرّج النزولي إلى أدنى المراتب و نحن أقرب إليكم مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [٥٠/ ١٦]
«أنا عند المنكسرة قلوبهم، أنا عند المندرسة قبورهم»
«لو دلّيتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط إلى اللّه»
[١] و ذلك لأن كمال النوريّة و الظهور يوجب كمال القرب و الدنوّ، ألا ترى أنه إذا كان في سطح واحد سواد و بياض ترى البياض لوضوحه أقرب، و السواد لخفائه أبعد، ففي طريق العبودية يقع التدرّج الصعودي إلى أعلى المراتب، و هو مقام العندّية
«لي مع اللّه
[١] في الترمذي: ٥/ ٤٠٤ كتاب التفسير، باب ٥٨: لو انكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على اللّه.