تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٦ - المشرع الأول في نظمه بما سبق و ما لحق
لا سبيل إلى الثاني و إلا لزم افتقاره إلى الغير في كمال ذاته، و لو لم يكن أيضا مبدأ سلسلة الممكنات كلّها سواء كانت صفاتا أو أفعالا و البرهان قد دلّ على وجود أمر بسيط يفتقر إليه الأشياء- هذا خلف- فهو بنفس ذاته المقدّسة إله و مبدأ للكل، فمقوّم ذاته هو بعينه مقوّم إلهيته و كذلك سائر الصفات التي تستوجبها الإلهيّة و تستحقّها الواجبيّة- من الوجود و العلم و القدرة و الإرادة- فيجب أن بكون مصداق حملها جميعا على ذاته نفس هويته البسيطة من غير تركّب و تعدّد، لا باعتبار مغائرة الصفات، و لا باعتبار المغائرة بينها و بين الذات.
و بالجملة تاكّد الوحدة في الذات الواجبيّة يستلزم استحالة التعدّد في الصفات الإلهية مطلقا، سواء كان مع تعدد الموصوف عينا كفرض إلهين منفصلين، أو عقلا فقط كفرض صفات واجبة متعدّدة لموصوف واحد، كما ذهب إليه الصفاتيون- تعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.
و اعلم أن الفساد و الاستحالة في هذا الشقّ أشنع و أفحش، و الظلم فيه أشدّ عندي، إذ يلزم فيه فوق ما يلزم في الأول- من التركيب اللازم للتعدّد المنافي للوجوب- شيء آخر، و هو خلوّ الواجب في حدّ نفسه عن الواجبيّة و الصفات الكمالية بحسب أول الوضع، و هي مفسدة مختصّة بهذا الشقّ دون الشقّ الأول إذ لأحد أن يفرض واجبين يكون صفات كل منهما عين ذاته إلى أن يقوم البرهان على استحالته، و البرهان و إن جمع بينهما في هذه الاستحالة أيضا لكن بحسب التأدية و الاستجرار حيّزا، لا بمقتضى الوضع صريحا من أول الأمر.
و كما أن فوق كلّ ذي علم عليم إلى أعلم العلماء، و هو صاحب القوّة القدسية، فكذلك تحت كل ذي جهل جهيل إلى أجهل الجهّال و هو الجاهل بلزوم أحد النقيضين للآخر، إذا لزم من أول الوضع؛ و إن كان جميع الجهالات مشتركة في التأدية