تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥١ - المسألة الثامنة في تحقيق أن مسمى«الله» معبود للكمل من العرفاء دون غيرهم بحسب الحقيقة
بالربوبية من العظمة و الجلالة، و ينكر غيرها، و قد أخطأ و أساء الأدب معه تعالى و هو عند نفسه أنه قد بلغ الغاية في المعرفة و التأدّب.
و كذلك حال كثير من الملكوتيين و الملائكة إلّا الإنسان الكامل الذي علّمه ربّه علم جميع الأسماء و مظاهرها، كما قال اللّه تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [٢/ ٣٢].
فإذا تجلّى الحقّ سبحانه بالصفات السلبية التنزيهيّة للعقول المسبّحة المنزّهة، يقبله تلك العقول و يمجّدونه، و يسبّحونه، و ينكره كلّ من لا يكون مجرّدا بل يكون كالوهم و الخيال و النفوس المنطبعة، إذ ليس من شأنهم إدراك الحقّ إلّا في مقام التشبيه- كأكثر الناس.
و إذا تجلّى بالصفات الثبوتية فيقبله القلوب و النفوس الناطقة، لأنّها مشبّهة من حيث تعلّقها بالأجسام، و منزّهة من حيث تجرّد جوهرها، و ينكره المحجوبون بالتجرّد المحض كأكثر الفلاسفة، فيقبل كل نشأة من النشآت العقلية و النفسية و الخيالية من التجلّيات الإلهية ما يناسبها و يليق بحالها، و أما الإنسان الكامل و العارف الفاضل فهو الذي يقبل الحقّ و يهتدي بنوره في جميع تجلّياته و يعبده بجميع أسمائه و صفاته، فهو عبد اللّه في الحقيقة.
و لهذا سمّى بهذا الاسم أكمل نوع الإنسان صلّى اللّه عليه و آله، فإن الاسم الإلهي كما هو جامع لجميع الأسماء و هي تتّحد بأحديّته كذلك طريقه جامع طرق الأسماء كلّها، و إن كان كلّ واحد من تلك الطرق مختصّا باسم يربّ مظهره و يعبده ذلك المظهر من ذلك الوجه، و يسلك سبيله المستقيم الخاصّ بذلك المظهر، و ليس الجامع لها إلا ما سلكه المظهر الجامع النبوي الختمي المحمدي صلوات اللّه عليه و آله، و خواصّ امّته الذين كانوا خير امّة أخرجت للناس، و هو طريق