تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٥ - فصل في قوله جل اسمه مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري
المصباح- و هو المسمّى بالهوية- عين ما هو بمنزلة الماهية و الحامل و هو المسمّى باسم «اللّه» لا فرق إلا في العبارة، فالمصباح مثال للّه، و نوره مثال للهوية الأحدية.
فلو لم يكن للنور المصباحي حامل ذو تعيّن وضعي، لما تشخّص منه جهة قرب و بعد في الهواء الذي يستنير منه شدّة و ضعفا، فلم يقع منه نور على شيء من هواء البيت و جدرانه و سقفه، لعدم النسبة بالرجحان و عدمه، و الأوليّة و عدمها، و لاستحالة الترجيح من غير مرجّح.
فكذلك لو لم يكن للحق أسماء يقع منها آثار مخصوصة على المظاهر و المجالي- بحسب ما يقتضيه تعيّن كل اسم عن اسم آخر- لم يصدر عنه في عالم الإيجاد شيء من الممكنات، إذ لا أولوية لممكن مّا، و لا رجحان له على ممكن آخر بحسب الجهة الإمكانية، فإن الماهيّات الإمكانيّة و المعاني الكلية التي هي غير الوجود في درجة واحدة بحسب الذات في قبول نور الوجود و عدم قبوله، بل المعيّن لكل منها في مقام خاصّ و درجة معينة إنّما هو ذات الواجب بما يلزمها من الأسماء و الصفات المنبعثة عن حاقّ هويّته الإلهيّة و شمس حقيقة الواجبيّة، النافذ نورها في جميع هياكل الممكنات، الباسط فيضها على بساط جميع الماهيات.
ثمّ لما كان أول من قرع باب الاستنارة بنور اللّه و أول من نطق ب «لا إله إلا اللّه» هو العبد الأعلى، و العقل الأول و الممكن الأشرف و الحقيقة المحمدية فهو مصباح نور اللّه، و بتوسطه يقبل الاستضائة و الاستنارة جميع الماهيّات الواقعة في فضاء قابليّة الوجود و الهويّات، الساكنة في هواء بيوت أهل المحبة و العبوديّة لمبدع الوجود، الفائض لنور الخير و الجود، فذات النبي صلى اللّه عليه و آله كالمرآة المصقولة، التي يحاذى بها وجه النيّر الأعظم، و توازي شطر الحق، فتجلّى لها وجه ربّك ذو الجلال و الإكرام.