تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٣ - الطور الثالث فيما سنح لنا بالبال في تحقيق المرام و في انتظامه بما سبق من الكلام
أن إلهه هواه و معبوده نفسه، فما دام على هذه الحالة فهو غير واصل إلى مرتبة العبادة و المعرفة، فتارة يعتريه الخوف و تارة تسلّيه الرجاء، و في بعض أوقاته من الجفاء يلجئ إلى باب الصبر و في بعضها يستزيد النعم بالشكر.
فإذا ارتقى من هذه المنزلة إلى درجة الرضا و التسليم استراح من جميع ذلك فلم يحتج إلى جذب مطلوب له أو دفع مهروب عنه، فلا يبقى له كراهة في الدين و لا أذية في سلوك طريق المسلمين، كما
ورد في الحديث [١] «أول الإسلام إماطة الأذى عن الطريق»
يعني: أول درجات الإسلام الحقيقي مقام الرضاء بالقضاء من غير إكراه، بأن ينظر المرء إلى جميع المخلوقات بعين الرضا، و يجد من نفسه في جميع ما يسمّى بالتكاليف الدينية حالة الارتضاء، و ذلك باب اللّه الأعظم و به يدخل السالك في التديّن بدينه الذي هو معرفة التوحيد المشار إليه آنفا و العمل بمقتضاه.
و إنما قلنا «إنه أول الدرجات» لأن هذه المرتبة قاصرة عن مراتب الكاملين الواصلين إلى أدنى حدّ من حدود الكمال، فإن الراضي يدّعي أن له وجودا مقابلا لوجود المرضيّ عنه، و له مجال تصرّف قد تركه باختياره، و ذلك يستلزم دعوى الشركة في الوجود و التصرف- تعالى اللّه عن أن يكون له شريك أو معه متصرف.
فإن ارتقى من هذه الدرجة و وصل إلى مقام الفناء المحض و محو الأثر الذي هو منزل أهل الوحدة المطلقة- لا أقول التوحيد فإنّه طلب وحدة قسريّة، و لا الاتّحاد فإنه و إن كان بالطبع لا بالقسر لكن تفوح منه رائحة الكثرة- لا يلتفت
[١] الترمذي: المقدمة، باب في الايمان: الايمان بضع و ستون أو سبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق ... (١/ ٢٢).