تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٧ - المقصد الرابع في ذكر حكاية مروية في هذا الباب
ينام، ثم قال: «خذ بيدك قارورتين مملوّتين، في كل يد واحدة منهما» و أمره بالاحتفاظ بهما، فكان يتحرّز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فضرب إحدى القارورتين على الاخرى فانكسرتا، فضرب اللّه تعالى ذلك مثلا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السموات و الأرضين.
و اعلم أن مثل هذا لا يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السّلام سيّما أولوا العزم من الرسل مثل موسى عليه السّلام خصوصا على مذهب أصحابنا الإماميّة- رضوان اللّه عليهم- حيث لا يجوّزون صدور الذنب منهم- صغيرا كان أو كبيرا- و أيّ ذنب أكبر من الجهل بالصفات التي هي من لوازم الإلهيّة و من ضرورات الواجبية؟ و هي العلم التام بمبدعاته من غير خلل و فتور، و لا سهو و لا قصور.
و من جوّز النوم عليه سبحانه أو كان شاكّا في استحالته كان كافرا، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى عليه السّلام، فهذه الرواية إن صحّت وجب أن تنسب إلى جهّال قوم موسى [١] كطلب الرؤية، فإن الجسمانيّة كانت غالبة على قومه بحيث لم يمكنهم تصوّر أمر مفارق الذات و الصفة عن الموادّ الجسمية لا في الممكن و لا في الواجب، كالحنابلة من أمّة نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله الذين جعلوا إلههم جسما مستويا على العرش، و الأشاعرة و إن كانوا أرفع قليلا من هؤلاء إلا أنّهم يشار كونهم في نفي التجرّد و إثبات التحيّز لما سوى الواجب تعالى، و هو عين الجهالة أيضا، فإن كون الواحد نصف الاثنين ليس مفتقرا في تحقّقه لا هو و لا مفرداته إلى تحيّز و تجسّم، و الداعي لهم إلى نفي المجردات زعمهم أن تحقّق أمر مجرد في غير الواجب تعالى يوجب للواجب شريكا، و لم يعلموا أن التجرّد سلب محض و الاشتراك في السلوب لا يوجب الاشتراك في معنى ذاتي أو
[١] في الدر المنثور: ١/ ٣٢٧ عن ابن عباس ان بنى إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ ...