الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٧ - من سرعة بديهته
خبر مطيع مع علي بن القاسم
أخبرني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ العطّار بالكوفة، قال: حدّثني عليّ بن عمروس عن عمّه عليّ بن القاسم قال:
كنت آلف مطيع بن إياس، و كان جاري، و عنّفني في عشرته جماعة، و قالوا لي: إنه زنديق. فأخبرته بذلك، فقال: و هل سمعت منّي أو رأيت شيئا يدلّ على ذلك، أو هل وجدتني أخلّ بالفرائض في صلاة أو صوم؟ فقلت له:
و اللّه ما اتّهمتك و لكنّي خبّرتك بما قالوا. و استحييت منه. فعجل على السكر ذات يوم في منزله، فنمت عنده و مطرنا [١] في جوف اللّيل و هو معي، فصاح بي مرّتين أو ثلاثا،/ فعلمت أنّه يريد أن يصطبح، فكسلت أن أجيبه، فلما تيقّن أنّي نائم جعل يردّد على نفسه بيتا قاله، و هو قوله:
أصبحت جمّ بلابل الصّدر
عصرا أكاتمه إلى عصر [٢]
فقلت في نفسي: هذا يعمل شعرا في فنّ من الفنون. فأضاف إليه بيتا ثانيا، و هو قوله:
إن بحت طلّ دمي و إن تركت
و قدت عليّ توقّد الجمر [٣]
فقلت في نفسي: ظفرت بمطيع. فتنحنحت، فقال لي: أما ترى هذا المطر و طيبه، أقعد بنا حتّى نشرب أقداحا.
فاغتنمت ذلك، فلما شربنا أقداحا قلت له: زعمت أنّك زنديق. قال: و ما الّذي صحّح [٤] عندك أنّي زنديق؟ قلت:
قولك: «إن بحت طلّ دمي» و أنشدته البيتين، فقال لي: كيف حفظت البيتين و لم تحفظ الثالث؟ فقلت: و اللّه ما سمعت منك ثالثا. فقال: بلى قد قلت ثالثا. قلت: فما هو؟ قال:
ممّا جناه علي أبي حسن
عمر و صاحبه أبو بكر [٥]
من سرعة بديهته
/ و حدّثني الحسن بن علي قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: حدّثني محمّد بن عمر الجرجاني قال:
جاء مطيع بن إياس إلى إخوان له و كانوا على شراب، فدخل الغلام يستأذن له، فلمّا سمع صاحب البيت بذكره خرج مبادرا، فسمعه يقول:
/
أمسيت جمّ بلابل الصدر
دهرا أزجّيه إلى دهر [٦]
إن فهت طلّ دمي و إن كتمت
وقدت عليّ توقّد الجمر
فلما أحسّ مطيع بأنّ صاحب البيت قد فتح له استدرك البيتين بثالث فقال:
ممّا جناه علي أبي حسن
عمر و صاحبه أبو بكر
و كان صاحب البيت يتشيّع، فأكبّ على رأسه يقبّله و يقول: جزاك اللّه يا أبا مسلم خيرا!
[١] مطرنا: نزل علينا المطر.
[٢] الجم: الكثير. و البلابل. وساوس الصدر و شدّة الهموم.
[٣] طل دمه، بالبناء للمجهول: أبيح، و قيل لم يثأر به.
[٤] في الأصول: «صح».
[٥] هذا ما في ش. و في سائر النسخ: «ما جناه». و أبو حسن: كنية علي بن أبي طالب.
[٦] أزجيه: أسوقه. و قد سبق برواية أخرى.