الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٠ - دعبل و ابن مهرويه يحسدانه و يحقدان عليه
/ أنكر العتابي على صديق له شيئا، فكتب إليه: «إما إن تقرّ بذنبك فيكون إقرارك حجّة علينا في العفو عنك، و إلّا فطب نفسا بالانتصاف منك، فإنّ الشاعر يقول:
أقرر بذنبك ثمّ اطلب تجاوزنا
عنه فإن جحود الذّنب ذنبان»
. يحيى بن أكثم يستأذن المأمون للعتابي
أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا ابن مهرويه، قال: حدّثني عبد الواحد بن محمّد، قال:
وقف العتّابيّ بباب المأمون يلتمس الوصول إليه، فصادف يحيى بن أكثم جالسا ينتظر الإذن، فقال له: إن رأيت- أعزك اللّه- أن تذكر أمري لأمير المؤمنين إذا دخلت فافعل. قال له: لست- أعزّك اللّه- بحاجبه. قال: فإن لم تكن حاجبا فقد يفعل مثلك ما سألت، و اعلم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- جعل في كل شيء زكاة، و جعل زكاة المال رفد [١] المستعين، و زكاة الجاه إغاثة الملهوف. و اعلم أنّ اللّه- عزّ و جلّ- مقبل عليك بالزيادة إنّ شكرت، أو التغيير إن كفرت، و إنّي لك اليوم [٢] أصلح منك لنفسك، لأنّي أدعوك إلى ازدياد نعمتك، و أنت تأبى. فقال له يحيى:
أفعل و كرامة. و خرج الإذن ليحيى، فلما دخل، لم يبدأ بشيء بعد السلام إلّا أن استأذن [٣] المأمون للعتابي، فأذن له.
كلمتان للعتابي
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني أبو الشّبل، قال:
قال العتابي لرجل اعتذر إليه: إنّي إن لم أقبل عذرك لكنت ألأم منك، و قد قبلت عذرك، فدم على لوم نفسك في جنايتك، نزد في قبول عذرك، و التّجافي عن هفوتك.
/ قال: و قيل له لو تزوّجت! فقال: إنّي وجدت مكابدة العفّة أيسر عليّ من الاحتيال لمصلحة العيال.
تقدير المأمون للعتابي و إكرامه لما أسنّ
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: قال جعفر بن المفضل؛ قال لي أبي:
رأيت العتّابيّ جالسا بين يدي المأمون و قد أسنّ، فلما أراد القيام قام المأمون فأخذ بيده، و اعتمد الشّيخ على المأمون،/ فما زال ينهضه رويدا رويدا حتّى أقلّه فنهض، فعجبت [٤] من ذلك، و قلت لبعض الخدم: ما أسوأ أدب هذا الشيخ، فمن هو؟ قال: العتابي.
دعبل و ابن مهرويه يحسدانه و يحقدان عليه
أخبرني الحسن، قال: حدّثنا ابن مهرويه، قال: حدّثني محمّد بن الأشعث، قال: قال دعبل: ما حسدت أحدا قطّ على شعر كما حسدت العتّابي على قوله:
هيبة الإخوان قاطعة
لأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ما هبت ذا أمل
مات ما أمّلت من سببه [٥]
[١] رفد: إعطاء وصلة.
[٢] في ح: «لك منذ اليوم».
[٣] في ح «أذن» و هو تحريف.
[٤] في الأصل: «فعجب»، و السياق يقتضي «فعجبت».
[٥] السبب: الوسيلة، و المودة.