الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٣ - ما جرى بين الملاءة و عمر بن أبي ربيعة
خرجت عاتكة بنت الملاءة إلى بعض بوادي البصرة فلقيت بدويا معه سمن فقالت له: أ تبيع هذا السّمن؟
فقال: نعم. قالت: أرناه. ففتح نحيا [١] فنظرت إلى ما فيه، ثم ناولته إياه و قالت: افتح آخر. ففتح أخر فنظرت إلى ما فيه ثم ناولته إياه، فلما شغلت يديه أمرت جواريها فجعلن يركلن في استه و جعلت تنادي: يا لثارات ذات النّحيين!
قصة ذات النحيين
قال الزّبير: تعني ما صنع بذات النّحيين في الجاهلية؛ فإنّ رجلا يقال له: خوّات بن جبير رأى امرأة معها نحيا سمن فقال: أريني هذا. ففتحت له أحد النّحيين، فنظر إليه ثم قال: أريني الآخر. ففتحته، ثم دفعه إليها، فلما شغل يديها وقع عليها، فلا تقدر على الامتناع خوفا من أن يذهب السمن، فضربت/ العرب المثل بها، و قالت:
«أشغل من ذات النّحيين». فأرادت عاتكة بنت الملاءة أنّ هذا لم يفعله أحد من النساء برجل كما يفعله الرّجل بالمرأة غيرها، و أنّها ثأرت للنّساء ثأرهنّ من الرّجال بما فعلته.
ما جرى بين الملاءة و عمر بن أبي ربيعة
أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال: حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق الموصليّ عن الزبير و المسيّبي [٢] و محمّد بن سلام و غيرهم من رجاله: أنّ الملاءة بنت زرارة لقيت عمر بن أبي ربيعة بمكة و حوله جماعة ينشدهم، فقالت لجارية: من هذا؟ قالت: عمر بن أبي بربيعة، المنتقل من منزله من ذات و داد إلى أخرى، الّذي لم يدم على وصل، و لا لقوله فرع و لا أصل، أما و اللّه لو كنت كبعض من يواصل لما رضيت منه بما ترضين، و ما رأيت أدنا من نساء أهل الحجاز و لا أقرّ منهنّ بخسف، و اللّه لأمة من إمائنا آنف منهنّ! فبلغ ذلك عمر عنها، فراسلها فراسلته، فقال:
حيّ المنازل قد عمرن خرابا
بين الجرين و بين ركن كسابا [٣]
بالثّني من ملكان غيّر رسمها
مرّ السحاب المعقبات سحابا [٤]
و ذيول معصفة الرّياح تجرّها
دققا فأصبحت العراص يبابا [٥]
و لقد أراها مرّة مأهولة
حسنا جناب محلّها معشابا [٦]
دارّ الّتي قالت غداة لقيتها
عند الجمار فما عييت جوابا
هذا الّذي باع الصّديق بغيره
و يريد أن أرضى بذاك ثوابا
/ قلت اسمعي منّي المقال و من يطع
بصديقه المتملّق الكذّابا
[١] النحي، بالكسر: الزق، أو ما كان للسمن خاصة.
[٢] المسيبي في س، ش بدون واو بين العلمين، و اعتمدنا ما في ح.
[٣] عمر: بقي زمانا. الجرين بهيئة التصغير: موضع بين سواج و النير باللعباء من أرض نجد. كساب بالضم: موضع، و قال عبد اللّه بن إبراهيم الجمحي: كساب، بالفتح على وزن قطام: جبل في ديار هذيل قرب الحزم لبني لحيان.
[٤] الثنى من كل نهر أو جبل: منعطفه، و ملكان بكسر اللام: واد لهذيل على ليلة من مكة.
[٥] دقق التراب بضم ففتح: دقاقة، واحدها دقة بالضم. و في الأصول: «وقفا» صوابه في «الديوان» ١١٤. العراص جمع عرصة، بالفتح، و هي البقعة الواسعة بين الدور. و اليباب: المقفرة. و هذا تصحيح ش، و في سائر النسخ: «العرائص بابا».
[٦] الجناب: الناحية و الفناء.