الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩ - شعر أبي الطمحان لما أسر في هذه الحرب
فإنّ بني لأم بن عمرو أرومة
علت فوق صعب لا تنال مراقبه [١]
أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم
دجى الليل حتى نظّم الجزع [٢] ثاقبه
// لهم مجلس لا يحصرون [٣] عن النّدى
إذا مطلب المعروف أجدب راكبه
/ و أمّا خبر أسره و الوقعة الّتي اسر فيها فإن عليّ بن سليمان الأخفش أخبرني بها عن أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال:
حرب جديلة و الغوث الطائيين
كان أبو الطّمحان القيني مجاورا في جديلة من طيّئ، و كانت قد اقتتلت بينها و تحاربت الحرب الّتي يقال لها «حرب الفساد» [٤] و تحزّبت حزبين: حزب جديلة و حزب الغوث، و كانت هذه الحرب بينهم أربعة أيام، ثلاثة منها للغوث و يوم لجديلة. فأمّا اليوم الّذي كان لجديلة فهو «يوم ناصفة». و أما الثلاثة الأيام الّتي كانت للغوث فإنها «يوم قارات حوق» [٥] و «يوم البيضة» [٦] و «يوم عرنان» [٧] و هو آخرها و أشدّها و كان للغوث، فانهزمت جديلة هزيمة قبيحة، و هربت فلحقت بكلب و حالفتهم و أقامت فيهم عشرين سنة.
شعر أبي الطمحان لما أسر في هذه الحرب
و أسر أبو الطّمحان في هذه الحرب: أسره رجلان من طيّىء و اشتركا فيه، فاشتراه منهما بجير بن أوس بن حارثة لمّا بلغه قوله:
/
أرقت و آبتنى الهموم الطّوارق
و لم يلق ما لاقيت قبلي عاشق
[١] الأرومة: الأصل. و المراقب: جمع مرقبة، و هي المنظرة في رأس جبل أو حصن. و روى في «الكامل للمبرد» هذا البيت ضمن أبيات في هذه القصيدة لم يذكرها المؤلف، و ها هي ذي:
و إني من القوم الذين هم هم
إذا مات منهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلما غار كوكب
بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم و وجوههم
دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
و ما زال منهم حيث كانوا مسود
تسير المنايا حيث سارت كتائبه
( «الكامل» ص ٣٠ طبع ليبسك).
[٢] الجزع اليماني: الخرز اليماني و الصيني، و هو الّذي فيه سواد و بياض. و هو يختلط على ناظم العقد في الظلام.
[٣] لا يحصرون عن الندى: لا يبخلون. و فعله من باب فرح.
[٤] حرب الفساد من أيام العرب كانت كما قال المؤلف بين الغوث و جديلة من طيئ، سميت بذلك لما حدث فيها من الفظائع و الأهوال؛ فقد قيل إن هؤلاء خصفوا نعالهم بآذان هؤلاء، و هؤلاء شربوا الشراب بأقحاف رءوس هؤلاء. و فيه يقول جابر بن الحريش الطائي:
إذ لا تخاف حد و جنا قذف النوى
قبل الفساد إقامة و نذيرا
و يقال له أيضا: زمن الفساد، و عام الفساد.
[٥] حوق بالضم: موضع. و هذا اليوم هو المعروف أيضا بيوم اليحاميم. و سببه أن الحارث بن جبلة النسائي كان قد أصلح بين طيئ، فلما هلك عادت إلى حربها، فالتقت جديلة و الغوث بموضع يقال له عرنان فقتل قائد بني جديلة و هو أسبع بن عمرو بن لأم عم أوس بن خالد بن حارثة بن لأم، و أخذ رجل من سنبس يقال له مصعب أذنيه فخصف بهما نعليه. و في ذلك يقول أبو سروة السنبسي:
نخصف بالآذان منكم نعالنا
و نشرب كرها منكم في الجماجم
و تناقل الحيان في ذلك أشعارا كثيرة. (ابن الأثير ج ص ٤٧٦ طبع أوربا). و قارات جمع قارة و هي أصاغر الجبال و الآكام.
[٦] البيضة: عين ماء لبني دارم، كما ذكر أبو محمّد الأعرابي الأسود.
[٧] عرنان: جبل بين تيماء و جبلي طيئ.