الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨٥ - عتب الرشيد على العتابي و قطعه الهبات فيتنصل بقصيدته هذه
الرشيد يأمر بطرده
و سأل الرشيد عنه، فأخبروه بأمره، فأمر بطرده.
يحيى بن سعيد العقيلي يشتري له دابة توصله إلى رأس عين و قد فضح سعيدا بأفعاله
فخرج حتّى أتى يحيى بن سعيد العقيلي و هو في منزله، فسلّم عليه، و انتسب له، فرحّب به، و قال له:
ارتفع. فقال: لم آتك للجلوس، قال: فما حاجتك؟ قال: دابّة أبلغ عليها إلى رأس عين، فقال: يا غلام أعطه الفرس الفلانيّ. فقال: لا حاجة لي في ذلك، و لكن تأمر أن تشتري لي دابة أتبلّغ عليها. فقال لغلامه: امض معه فابتع له ما يريد. فمضى معه، فعدل به العتّابيّ إلى سوق الحمير، فقال له: إنّما أمرني أن أبتاع لك دابّة. فقال له:
إنّه أرسلك معي، و لم يرسلني معك، فإن عملت ما أريد و إلا انصرف. فمضى معه فاشترى حمارا بمائة و خمسين درهما، و قال: ادفع إليه ثمنه، فدفع إليه، فركب الحمار عريا بمرشحة عليه و برذعة، و ساقاه مكشوفتان، فقال له يحيى بن سعيد: فضحتني، أمثلي يحمل مثلك على هذا؟ فضحك، و قال: ما رأيت قدرك يستوجب أكثر من ذلك.
و مضى إلى رأس عين.
لوم زوجته له و ما قال في ذلك
و كانت تحته امرأة من باهلة، فلامته، و قالت: هذا منصور النمريّ قد أخذ الأموال فحلّى نساءه، و بنى داره، و اشترى ضياعا، و أنت هاهنا كما ترى! فأنشأ يقول:
تلوم على ترك الغنى باهليّة
زوي الفقر عنها كلّ طرف و تالد [١]
رأت حولها النّسوان يرفلن في الثّرا
مقلّدة أعناقها بالقلائد [٢]
أسرّك إنّي نلت ما نال جعفر
من العيش أو ما نال يحيى بن خالد
و إنّ أمير المؤمنين أغصّني
مغصّهما بالمشرقات البوارد [٣]
/ رأيت رفيعات الأمور مشوبة
بمستودعات في بطون الأساود [٤]
دعيني تجئني ميتتي مطمئنة
و لم أتجشم هول تلك الموارد [٥]
و هذا الخبر عندي فيه اضطراب؛ لأن القصيدة المذكورة الّتي أوّلها:
ما ذا شجاك بحوّارين [٦] من طلل
للعتّابي في الرشيد، لا في عبد الملك، و لم يكن كما ذكره في أيّام الرشيد متنقّصا منه. و له أخبار معه طويلة، و قد حدّثني بخبره هذا لما استوهب رفع السيف عن ربيعة جماعة على غير هذه الرواية.
عتب الرشيد على العتابي و قطعه الهبات فيتنصل بقصيدته هذه
أخبرني عمي قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد، قال: حدّثني مسعود بن إسماعيل العدويّ عن موسى بن عبد اللّه التميمي قال:
[١] الطرف: الجديد. و التالد: القديم. و انظر كتاب «الحيوان» للجاحظ (٤: ٢٦٥).
[٢] يرفلن: تجر الواحدة ذيلها و تتبختر.
[٣] أغصني: من الغصة، و هي ما يعترض في الحلق فتحتبس الأنفاس به. و يروى: «أعضني معضهما». المشرقات: السيوف اللوامع.
البوارد: الّتي تثبت في الضريبة لا تنثني.
[٤] الأساود: جمع أسود و هو الحية.
[٥] ورد في كل الأصول «منيتي»، تحريف.
[٦] انظر ما سبق في ص ١٢٢.