الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٠ - رثاؤه لقتلى قريش يوم الجمل
فرضي عنه زياد، و كتب له بذلك إلى معاوية، فلما دخل عليه بالكتاب قال: أنشدني ما قلت لزياد. فأنشده، فتبسّم ثم قال: قبح اللّه زيادا، ما أجهله، و اللّه لما قلت له أخيرا حيث تقول:
لأنت زيادة في آل حرب
شرّ من القول الأوّل، و لكنّك خدعته فجازت خديعتك عليه.
هجاء عبد الرحمن لأخيه الحارث حين استعفى من الغزو
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبة قال: استعمل معاوية بن أبي سفيان الحارث بن الحكم بن أبي العاصي على غزاة البحر، فنكص و استعفى، فوجّه مكانه ابن أخيه عبد الملك بن مروان، فمضى و أبلى و حسن بلاؤه، فقال عبد الرحمن بن الحكم لأخيه الحارث:
/
شنئتك إذ رأيتك حوتكيّا
قريب الخصيتين من التراب [١]
كأنّك قملة لقحت كشافا
لبرغوث ببعرة او صوأب [٢]
كفاك الغزو إذا أحجمت عنه
حديث السن مقتبل الشّباب [٣]
فليتك حيضة ذهبت ضلالا
و ليتك عند منقطع السّحاب [٤]
هجاؤه لمروان حين أعدى عليه الحناط
أخبرني محمّد بن الحسن بن دريد قال: حدّثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: لطم عبد الرحمن بن الحكم مولى لأهل المدينة حنّاطا، و أخوه مروان يومئذ وال لأهل المدينة، فاستعداه الحنّاط عليه، فأجلسه مروان بين يديه و قال له: الطمه- و هو أخو مروان لأبيه و أمه- فقال الحنّاط: و اللّه ما أردت هذا، و إنّما أردت أن أعلمه أنّ فوقه سلطانا ينصرني عليه، و قد وهبتها لك. قال: لست أقبلها منك فخذ حقّك. فقال: و اللّه لا ألطمه، و لكنّي أهبها لك. فقال له مروان: إن كنت ترى أن ذلك يسخطني فو اللّه لا أسخط، فخذ حقّك. فقال: قد وهبتها لك، و لست و اللّه لاطمه.
قال: لست و اللّه قابلها، فإن وهبتها فهبها لمن لطمك، أو للّه عزّ و علا. فقال: قد وهبتها للّه تعالى. فقال عبد الرحمن يهجو أخاه مروان:
كلّ ابن أم زائد غير ناقص
و أنت ابن أمّ ناقص غير زائد
وهبت نصيبي منك يا مرو كلّه
لعمرو و عثمان الطّويل و خالد
رثاؤه لقتلى قريش يوم الجمل
أخبرني هاشم بن محمّد أبو دلف الخزاعي، قال: حدّثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة قال:
نظر عبد الرحمن بن الحكم إلى قتلى قريش يوم الجمل فبكى، و أنشأ يقول:
أيا عين جودي بدمع سرب
على فتية من خيار العرب [٥]
و ما ضرّهم، غير حين النّفوس،
أيّ أميري قريش غلب [٦]
[١] الحوتكي: القصير الضاوي، أو الشديد الأكل.
[٢] الكشاف: أن تلقح الناقة حين تنتج أو أن تحمل عليها في كل سنة، و ذلك أردأ النتاج. و الصؤاب: جمع صؤابة: بيض القمل.
[٣] يعني بذلك عبد الملك بن مروان.
[٤] منقطع السحاب: طرفه الّذي ينقطع عنده.
[٥] السرب، بالتحريك: السائل المنسرب. و في الأصول: «شرب» تحريف.
[٦] الحين: الهلاك، أي ما قدر لهم من ذلك. و في الأصل: «جبن».