الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠١ - محمد الراوية المعروف بالبيدق ينشد قصيدة النمري
مضزّ على فأس اللجام كأنّه
إذا ما اشتكت أيدي الجياد يطير [١]
فظلّ على الصّفصاف يوم تباشرت
ضباع و ذؤبان به و نسور [٢]
فأقسم لا ينسى لك اللّه أجرها
إذا قسّمت بين العباد أجور
قال النمريّ: ثم قلت في نفسي: ما يمنعني من إذكاره بالجائزة؟ فقلت:
إذا الغيث أكدى و اقشعرّت نجومه
فغيث أمير المؤمنين مطير [٣]
و ما حلّ هارون الخليفة بلدة
فأخلفها غيث و كاد يضير [٤]
فقال: أذكرتني. و رأيته متهلّلا لذلك. قال: فألحقني بمروان و أمر لي بمائة ألف درهم.
محمّد الراوية المعروف بالبيدق ينشد قصيدة النمري
أخبرني عمي، قال: حدّثني ابن أبي سعد، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه بن طهمان، قال حدّثني محمّد الراوية المعروف بالبيدق- و كان قصيرا، فلقب بالبيدق [٥]/ لقصره، و كان ينشد هارون أشعار المحدثين- و كان أحسن خلق اللّه إنشادا- قال: دخلت على الرشيد و عنده الفضل بن الربيع، و يزيد بن مزيد، و بين يديه خوان لطيف عليه جديان [٦] و رغفان سميد [٧] و دجاجتان، فقال لي: أنشدني، فأنشدته قصيدة النّمريّ العينية، فلما بلغت إلى قوله:
أيّ امرئ بات من هارون في سخط
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن المكارم و المعروف أودية
أحلّك اللّه منها حيث تتسع
إذا رفعت امرأ فاللّه يرفعه
و من وضعت من الأقوام متضع
نفسي فداؤك و الأبطال معلمة
يوم الوغى و المنايا بينها قرع [٨]
قال: فرمى بالخوان بين يديه و صاح، و قال: هذا و اللّه أطيب من كل طعام و كل شيء، و بعث إليه بسبعة آلاف دينار، فلم يعطني منها ما يرضيني، و شخص إلى رأس العين، فأغضبني و أحفظني، فأنشدت هارون قوله:
شاء من الناس راتع هامل
يعللون النفوس بالباطل [٩]
فلما بلغت إلى قوله:
إلّا مساعير يغضبون لها
بسلّة البيض و القنا الذابل [١٠]
[١] مضز على فأس اللجام: يقال أضز الفرس على اللجام إذا أزم عليه. و فأس اللجام: الحديدة القائمة في الحنك.
[٢] «فظل» في كل الأصول بالطاء المهملة، و هو تحريف. و الصفصاف: مدينة غزاها سيف الدولة بن حمدان.
[٣] أكدى الغيث: منع لم يسقط مطره.
[٤] أخلف الغيث: لم يمطر. و كاد يضير: كاد يتلف لغزارته.
[٥] البيدق: الصغير الخفيف. و اختلفت النسخ فكتب بعضها بالذال المعجمة و بعضها بالمهملة.
[٦] في الأصل: «جرمان».
[٧] السميد: لباب الدقيق، و هو بالذال المعجمة أفصح.
[٨] المعلمة بكسر اللام الّتي أعلمت أنفسها في الحرب بعلامة. و بالفتح أيضا، أي أعلمت بذلك. بينها، أي بين الأبطال. و في الأصل:
«المنايا صابها فزع». و في «تاريخ بغداد» ١٣: ٦٨: «المنايا بينهم فزع». و صواب ما في الأصل ما أثبتنا.
[٩] في الأصول: «ساد» صوابه من «تاريخ بغداد» و «الشعر و الشعراء» ٨٣٦ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. و الراتع: الّذي يأكل ما شاء في رغد. و الهامل: المتروك سدى و لا يعمل.
[١٠] المساعير: الذين يوقدون نار الحرب، جمع مسعار. سلة البيض: استلال السيوف. و الذابل: الدقيق اللاصق الليط، أي القشر.