الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٠ - سبب قوله قصيدة الصوت
/
شهاب حرب إذا حلّت بساحته
يخزي به اللّه أقواما إذا غدروا
تزيده الحرب و الأهوال إن حضرت
حزما و عزما و يجلو وجهه السفر
ما إن يزال على أرجاء مظلمة
لو لا يكفكفها عن مصرهم دمروا [١]
/ سهل إليهم حليم عن مجاهلهم
كأنما بينهم عثمان أو عمر
كهف يلوذون من ذلّ الحياة به
إذا تكنّفهم [٢] من هولها ضرر
أمن لخائفهم فيض لسائلهم
ينتاب نائله البادون و الحضر
فلما أتى على آخرها قال المهلب: هذا و اللّه الشّعر، لا ما نعلّل به، و أمر له بعشرة آلاف درهم و فرس جواد، و زاده في عطائه خمسمائة درهم.
و القصيدة الّتي منها البيتان اللذان فيهما الغناء المذكور بذكره أخبار المغيرة، من قصيدة له مدح بها المهلب بن أبي صفرة أيضا. و أوّلها:
أ من رسوم ديار هاجك القدم
أقوت و أقفر منها الطّفّ و العلم [٣]
و ما يهيجك من أطلال منزلة
عفّى معالمها الأرواح و الديم [٤]
بئس الخليفة من جار تضنّ به
إذا طربت أثافي القدر و الحمم [٥]
دار الّتي كاد قلبي أن يجنّ بها
إذا ألم به من ذكرها لمم [٦]
إذا تذكرها قلبي تضيّفه
همّ تضيق به الأحشاء و الكظم [٧]
/ و البين حين يروع القلب طائفه
يبدي و يظهر منهم بعض ما كتموا
إني امرؤ كفّني ربي و أكرمني
عن الأمور الّتي في غبّها وخم [٨]
و إنما أنا إنسان أعيش كما
عاش الرجال و عاشت قبلي الأمم
سبب قوله قصيدة الصوت
و هي قصيدة طويلة، و كان سبب قوله إياها أنّ المهلب كان أنفذ بعض بنيه في جيش لقتال الأزارقة، و قد شدّت منهم طائفة تغير على نواحي الأهواز، و هو مقيم يومئذ بسابور، و كان فيهم المغيرة بن حبناء، فلما طال مقامه و استقر الجيش لحق بأهله، فألمّ بهم و أقام عندهم شهرا، ثم عاود و قد قفل الجيش إلى المهلب فقيل له: إن الكتّاب خطّوا على اسمه، و كتب إلى المهلب أنه عصى و فارق مكتبه بغير إذن، فمضى إلى المهلب، فلما لقيه أنشده هذه القصيدة و اعتذر إليه فعذره، و أمر بإطلاق عطائه و إزالة العتب عنه، و فيها يقول يذكر قدومه إلى أهله بغير إذن:
[١] يكفكفها: يردها. دمروا: هلكوا.
[٢] يلوذون: يلحئون. تكنفهم و اكتنفهم: أحاط بهم.
[٣] الرسوم: الآثار أو بقيتها. أقوت: خلت و أقفرت. و الطف و العلم: موضعان. الأرواح: الرياح.
[٤] الديم جمع ديمة بكسر الدال: مطر يدوم في سكون بلا رعد و برق، أو يدوم خمسة أيام.
[٥] الخليفة هنا: الخلف و البدل. الأثافي: جمع أثفية بضم أوله و كسر ثانيه و تشديد ثالثه: الحجارة الثلاثة الّتي توضع عليها القدر.
و الحمم بضم الحاء واحدته حممة: الفحم.
[٦] ألم به: نزل به. و اللمم: الجنون.
[٧] الكظم: مخرج النفس.
[٨] غبها: عاقبة فعلها. و الوخم: المكروه.