الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٧ - المأمون يداعب العتابي
إن الصّبابة لم تدع
منّي سوى عظم مبريّ [١]
و مدامع عبرى على
كبد عليك الدّهر حرّى [٢]
- في هذين البيتين غناء- أو يقال: إنه متكلّف؟ و هو الّذي يقول:
فلو كان للشكر شخص يبين
إذا ما تأمّله النّاظر
لمثّلته لك حتّى تراه
لتعلم أنّي امرؤ شاكر
رذاذ يضع لحنا
الغناء في هذين البيتين لأبي العبيس، ثقيل أوّل، و لرذاذ خفيف ثقيل. فحدّثني أبو يعقوب إسحاق بن يعقوب النوبجيّ عن أبي الحسن عليّ بن العباس و غيره من أهله قالوا: لما صنع رذاذ لحنه في هذا الشعر:
فلو كان للشّكر شخص يبين
أبو العبيس يسقط لحن رذاذ
فتن به الناس، و كان هجّيراهم زمانا [٣]، حتى صنع أبو العبيس فيه الثّقيل الأول، فأسقط لحن رذاذ و غلب عليه.
أخبرني إبراهيم بن أيوب، عن عبد اللّه بن مسلم، و أخبرني علي بن سليمان الأخفش، عن محمّد بن يزيد، قالوا جميعا:
المأمون يكتب في إشخاص العتابيّ
كتب المأمون في إشخاص كلثوم بن عمرو العتابي، فلما دخل عليه قال له: يا كلثوم، بلغتني وفاتك فساءتني، ثم بلغتني وفادتك فسرّتني. فقال له العتابي: يا أمير المؤمنين، لو قسمت هاتان الكلمتان على أهل الأرض لوسعتاها فضلا و إنعاما، و قد خصصتني منهما بما لا يتّسع له أمنية، و لا يبسط لسواه أمل، لأنه لا دين إلّا بك، و لا دنيا إلا معك. فقال له: سلني. فقال: يدك بالعطاء أطلق من لساني بالسّؤال. فوصله صلات سنية، و بلغ به من التقديم و الإكرام أعلى محلّ.
و ذكر أحمد بن أبي طاهر عن عبد اللّه بن أبي سعد الكراني، أنّ عبد اللّه بن سعيد بن زرارة، حدّثه عن محمّد بن إبراهيم اليساري، قال:
المأمون يداعب العتابي
لما قدم العتّابي مدينة السلام على المأمون، أذن له، فدخل عليه و عنده إسحاق بن إبراهيم الموصلي، و كان العتّابي شيخا جليلا نبيلا، فسلّم فردّ عليه و أدناه، و قرّبه حتّى قرب منه، فقبّل يده: ثم أمره بالجلوس فجلس، و أقبل عليه يسائله عن حاله، و هو يجيبه بلسان ذلق طلق، فاستظرف المأمون ذلك، و أقبل عليه بالمداعبة و المزاح، فظنّ الشّيخ أنّه استخفّ به، فقال: يا أمير المؤمنين: الإيناس قبل الإبساس [٤].
[١] المبرى: المهزول المنحوت.
[٢] الحرّى: المحترقة.
[٣] هجيراهم بكسر الأوّل و الثاني مع تشديده: دأبهم و شأنهم.
[٤] الإبساس: أن يمسح ضرع الناقة يسكنها لتدر. و المراد الاطمئنان قبل المداعبة.