الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦١ - سبب التهاجي بين زياد الأعجم و المغيرة بن حبناء
ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا
عيّ بما صنعوا حولي و لا صمم
و لو أردت قفولا ما تجهمني
إذن الأمير و لا الكتّاب إذ رقموا [١]
إني ليعرفني راعي سريرهم
و المحدجون إذا ما ابتلّت الحزم [٢]
و الطالبون إلى السلطان حاجتهم
إذا جفا عنهم السلطان أو كزموا [٣]
فسوف تبلغك الأنباء إن سلمت
لك الشواحج و الأنفاس و الأدم [٤]
إن المهلب إن أشتق لرؤيته
أو امتدحه فإن الناس قد علموا
إن الكريم من الأقوام قد علموا
أبو سعيد إذا ما عدّت النّعم
و القائل الفاعل الميمون طائره
ابو سعيد و إن أعداؤه رغموا
/ كم قد شهدت كراما من مواطنه
ليست بغيب و لا تقوالهم زعموا [٥]
أيّام أيام إذ عض الزمان بهم
و إذ تمنى رجال أنهم هزموا [٦]
/ و إذ يقولون: ليت اللّه يهلكهم
و اللّه يعلم لو زلت بهم قدم
أيام سابور إذ ضاعت رباعتهم
لولاه ما أوطنوا دارا و لا انتقموا [٧]
إذ ليس شيء من الدنيا نصول به
إلا المغافر و الأبدان و اللجم [٨]
و عاترات من الخطّيّ محصدة
نفضي بهن إليهم ثم ندّعم [٩]
سبب التهاجي بين زياد الأعجم و المغيرة بن حبناء
هكذا ذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني في خبر هذه القصيدة، و نسخت من كتابه. و ذكر أيضا في هذا الكتاب أن سبب التهاجي بين زياد الأعجم و المغيرة بن حبناء، أن زيادا الأعجم و المغيرة بن حبناء و كعبا الأشقريّ، اجتمعوا عند المهلب و قد مدحوه، فأمر لهم بجوائز و فضّل زيادا عليهم، و وهب له غلاما فصيحا ينشد شعره، لأن زيادا كان ألكن لا يفصح، فكان راويته ينشد عنه ما يقوله، فيتكلف له مئونة و يجعل له سهما في صلاته، فسأل المهلب يومئذ أن يهب له غلاما كان له يعرفه زياد بالفصاحة و الأدب، فوهبه له، فنفسوا عليه ما فضّل به؛ فانتدب [١٠] له/ المغيرة من بينهم، فقال للمهلب: أصلح اللّه الأمير،. ما السبب في تفضيل الأمير زيادا علينا؟ فو اللّه ما يغني غناءنا- في
[١] ما تجهمني: ما استقبلني بغير ما أحب.
[٢] المحدجون: الذين يشدون الأحداج على الإبل.
[٣] كزموا: هابوا.
[٤] الشواحج: البغال. و الأدم جمع أدماء و آدم، و ضم داله للشعر. و الأدماء: الناقة أشرب لونها سوادا أو بياضا.
[٥] و لا تقوالهم زعموا: القول المزعوم زورا و بهتانا.
[٦] انظر ما سبق من الكلام على تكرير الظروف في ص ٦٨.
[٧] رباعتهم: أمرهم الّذي كانوا عليه. و أوطنوا دارا: اتخذوها دار إقامة.
[٨] المغافر جمع مغفر: الزرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة، أو حلق يتقنع بها المتسلح، و الأبدان جمع بدن بالتحريك: الدرع القصيرة.
[٩] العاترات: المضطربات للبنها. و الخطي: الرمح المنسوب إلى الخط بلد على سيف البحرين بكسر السين، و موضع في عمان.
و كانت الرماح تجلب إلى هذه المواضع فتقوم و تصقل ثم تباع. و المحصدة: بضم الميم و فتح الصاد: المحكمة الصنعة. و ندعم:
نتكئ عليها و نأخذها دعامة.
[١٠] انتدب له: مطاوع ندبه للأمر: دعاه و وجهه إليه.