الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢ - وصية عبد الملك لمؤدب ولده أن يرويهم مثل قول العجير
/
أزمان تعجبني جمل و أكتمه
جملا حياء، و ما وجد كما أجد
فقد برئت على أني إذا ذكرت
ينهلّ دمعي و تحيا غصّة تلد [١]
من عهد سلمى الّتي هام الفؤاد بها
أزمان أزمان سلمى طفلة رؤد [٢]
قد قلت للكاشح المبدي عداوته
قد طالما كان منك الغشّ و الحسد
ألا تبيّن لي لا زلت تبغضني
حتّام أنت إذا ما ساعفت ضمد [٣]
وصية عبد الملك لمؤدب ولده أن يرويهم مثل قول العجير
و قال ابن حبيب: قال عبد الملك لمؤدّب ولده: إذا روّيتهم شعرا فلا تروّهم إلّا مثل قول العجير السلولي:
يبين الجار حين يبين عنّي
و لم تأنس إليّ كلاب جاري
و تظعن جارتي من جنب بيتي
و لم تستر بستر من جداري [٤]
و تأمن أن أطالع حين آتي
عليها و هي واضعة الخمار
كذلك هدي آبائي قديما
توارثه النّجار عن النّجار
فهديي هديهم و هم افتلوني
كما افتلي العتيق من المهار [٥]
/ و قال ابن حبيب أيضا: نزل العجير بقوم فأكرموه و أطعموه و سقوه، فلما سكر قام إلى جمله فعقره، و أخرج كبده و جبّ سنامه، فجعل يشوى و يأكل و يطعم و يغني:
علّلاني إنما الدنيا علل
و اسقياني عللا بعد نهل [٦]
و انشلا لي اللحم من قدريكما
و اصبحاني أبعد اللّه الجمل [٧]
فلما أفاق سأل عن جمله فأخبر ما صنع به، فجعل يبكي و يصيح: وا غربتاه! و هم يضحكون منه. ثم أعطوه جملا و زوّدوه، فانصرف حتّى لحق بقومه.
أخبرني عمّي بهذا الخبر قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثنا الحكم بن موسى بن الحسين بن يزيد السلولي قال: حدّثني أبي عن عمّه فقال فيه:
مر العجير بفتيان من قومه يشربون نبيذا لهم فشرب معهم، و ذكر باقي القصّة نحوا مما ذكر ابن حبيب، و لم يقل فيها:- فلما أصبح جعل يبكي و يصيح: وا غربتاه!- و لكنه قال: فلمّا أصبح ساق قومه إليه ألف بعير مكان بعيره.
[١] ينهل دمعي: يشتدّ انصبابه. و الغصة: ما يعترض في الحلق و يدفع بالماء. قال الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق
كنت كالغصان بالماء اعتصاري
و تلد بفتح التاء و اللام، و هي لغة في التلاد، و هو القديم.
[٢] الرؤد: الشابة الحسنة. و انظر ما مضى من الكلام على تكرار الظرف في حواشي ص ٦٨.
[٣] الضمد، يقال ضمد فلان على فلان: حقد عليه.
[٤] في ط «حذار» بالحاء بدل الجيم.
[٥] افتلوني، يقال فلا الصبي و المهر فلوا و أفلاه و افتلاه: عزله عن الرضاع و فصله. و افتليته: فطمته أي: فطموني عن جهل الصبا و عقلت. و العتيق: الفرس الرائع الكريم. و المهار، بكسر الميم: جمع مهر بالضم، و هو ولد الفرس.
[٦] عللاني: أشغلاني بطعام و حديث و نحوهما. و العلل: الشرب الثاني. و النهل: الشرب الأوّل.
[٧] انشلاه: أخرجاه باليد من غير مغرفة. اصبحاني: اسقياني الصبوح من لبن النوق.