الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٤ - جلساء الرشيد يظنون في هذا البيت حتف منصور
نسبة هذه القصيدة إلى منصور بن بجرة
أخبرني محمّد بن عمران الصيرفيّ و عمي، قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: أخبرني علقمة بن نصر بن واصل النمري، قال: سمعت أشياخنا يقولون: إن منصور بن بجرة بن منصور بن صليل بن أشيم بن قطن بن سعد بن عامر بن الضّحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللّه بن النمر بن قاسط، قال هذه القصيدة:
ما تنقضي حسرة مني و لا جزع
إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب و فاتتني بشرّته
صروف دهر و أيام لها خدع [١]
ما كنت أول مسلوب شبيبته
مكسوّ شيب فلا يذهب بك الجزع
منصور بن سلمة يستوهبها منه و يطلبه الرشيد و لكنه يرده فيستنجد بيزيد الشيباني فيدخله
فسمعها منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك بن سعد بن عامر الضحيان فاستحسنها، فاستوهبها منه فوهبها له، و كان منصور بن بجرة هذا موسرا لا يتصدّى لمدح و لا يفد إلى أحد و لا ينتجعه بالشعر، و كان هارون الرشيد قد جرد السيف في ربيعة، فوجّه منصور بن سلمة هذه القصيدة إلى الرشيد، و كان رجلا تقتحمه [٢] العين جدا، و يزدريه من رآه لدمامة خلقه فأمر الرشيد لمّا عرضت عليه بإحضار قائلها. قال منصور: فلما وصلت إليه عرّفني الحاجب أنّه لما عرضت عليه قرأها و اختارها على جميع شعر الشعراء جميعا، و أمره بإدخالي، فلما قربت من حاجبه الفضل بن الربيع ازدراني لدمامة خلقي، و كان قصيرا أزرق أحمر أعمش [٣] نحيفا. قال: فردّني، و أمر بإخراجي فأخرجت،/ فمرّ بي ذات يوم يزيد بن مزيد الشيبانيّ [٤]، فصحت به: يا أبا خالد، أنا رجل من عشيرتك، و قد لحقني ضيم، و عذت بك. فوقف، فعرّفته خبري، و سألته: أن يذكرني إذا مرّت به رقعتي، و يتلطّف في إيصالي، ففعل ذلك، فلمّا دخلت على أمير المؤمنين أنشدته هذه القصيدة:
أ تسلو و قد بان الشباب المزايل
الرشيد يرفع السيف عن ربيعة
فقال لي: غدا إن شاء اللّه آمر برفع السيف عن ربيعة- و خرج يزيد يركض، فما جاءت العصر من الغد حتّى رفع السيف عن ربيعة بنصيبين و ما يليها، و أنشدته القصيدة، فلما صرت إلى هذا الموضع:
يجرّد فينا السيف من بين مارق
و عان بجود كلهم متحامل [٥]
/ جلساء الرشيد يظنون في هذا البيت حتف منصور
/ قالوا: فلما سمع الجلساء هذا البيت، قالوا: ذهب الأعرابي و افتضح، فلما قلت:
و قد علم العدوان و الجور و الخنا
بأنّك عيّاف لهنّ مزايل [٦]
و لو علموا فينا بأمرك لم يكن
ينال بريّا بالأذى متناول
[١] فاتتني: تخطتني و لم تصبني. و الشرة: النشاط.
[٢] تقتحمه: تتخطاه إلى غيره، و ذلك لضعف شأنه.
[٣] الأعمش: ضعيف البصر مع سيلان الدمع.
[٤] في الأصل: «مزيد بن يزيد الشيباني».
[٥] العاني: الأسير. بجود: جمع بجد: الجماعة من الناس. و قد وردت في كل الأصول بالخاء بدل الجيم، و المعنى لا يستقيم بهذا.
[٦] العياف: الشديد الكراهة. و المزايل: المفارق.