الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٢ - سبب التهاجي بين زياد الأعجم و المغيرة بن حبناء
الحرب، و لا هو بأفضلنا شعبا، و لا أصدقنا ودا، و لا أشرفنا أبا، و لا أفصحنا لسانا! فقال له المهلب: أما إنّي و اللّه ما جهلت شيئا مما قلت، و إن الأمر فيكم عندي لمتساو، و لكنّ زيادا يكرم لسنّه و شعره و موضعه من قومه، و كلّكم كذلك عندي، و ما فضلته بما ينفس [١] به، و أنا أعوّضكم بعد هذا بما يزيد على ما فضلته به. فانصرف، و بلغ زيادا ما كان منه، فقال يهجوه:
أرى كلّ قوم ينسل اللؤم عندهم
و لؤم بني حبناء ليس بناسل [٢]
يشبّ مع المولود مثل شبابه
و يلقاه مولودا بأيدي القوابل
و يرضعه من ثدي أمّ لئيمة
و يخلق من ماء امرئ غير طائل [٣]
تعالوا فعدّوا في الزمان الّذي مضى،
و كل أناس مجدهم بالأوائل
لكم بفعال يعرف الناس فضله
إذا ذكر الأملاء عند الفضائل [٤]
فغازيكم في الجيش الأم من غزا
و قافلكم في الناس ألأم قافل [٥]
و ما أنتم من مالك غير أنكم
كمغرورة بالبوّ في ظل باطل [٦]
بنو مالك زهر الوجوه و أنتم
تبين ضاحي لؤمكم في الجحافل [٧]
يعني برصا كان بالمغيرة بن حبناء.
/ أخبرني عبيد اللّه بن محمّد الرازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدّثني المدائني قال:
عيّر زياد الأعجم المغيرة بن حبناء في مجلس المهلّب بالبرص، فقال له المغيرة إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح [٨]، و لا تعير بالغرر و الحجول، و قد قال صاحبنا بلعاء بن قيس لرجل عيّره بالبرص: «إنما أنا سيف اللّه جلاه و استلّه على أعدائه» فهل تغني يا ابن العجماء غنائي، أو تقوم مقامي؟ ثم نشب الهجاء بينهما.
نسخت من نسخة ابن الأعرابي، قال: كان المغيرة بن حبناء يوما يأكل مع المفضّل بن المهلّب، فقال له المفضل:
فلم أر مثل الحنظليّ و لونه
أكيل كرام أو جليس أمير
فرفع المغيرة يده و قام مغضبا، ثم قال له:
إني امرؤ حنظليّ حين تنسبني
لام [٩] العتيك و لا أخوالي العوق [١٠]
- العوق من يشكر، و كانوا أخوال المفضل-
[١] ينفس به: يحسد عليه.
[٢] ينسل: من قولهم نسل ريش الطائر: سقط.
[٣] يقال للخسيس الدون: ما هو بطائل.
[٤] الأملاء: جمع ملأ، و هم الأشراف الذين يملئون العين.
[٥] القافل: الراجع، و سميت القافلة و هي ذاهبة قافلة تيمنا برجوعها.
[٦] كمغرورة بالبو: أي مخدوعة بالجلد الّذي يحشى تبنا فتحن له. و المراد أن هذه القبيلة تنوهم أن نسبها إلى مالك نسب حقيقي.
[٧] أراد بالجحافل الشفاه، جمع جحفلة. و أصل الجحفلة للخيل و الحمر و البغال.
[٨] الأوضاح: جمع وضح: التحجيل في القوائم بالبياض.
[٩] لام العتيك: لا من العتيك. انظر «الحيوان» (٥: ١٦٥).
[١٠] العتيك و العوق: قبيلتان.