الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٩ - ابن كناسة يصف الحيرة و ما جاورها
و كان يرى الدنيا قليلا كثيرها
فكان لأمر اللّه فيهما معظّما
أمات الهوى حتى تجنّبه الهوى
كما اجتنب الجاني الدّم الطالب الدّما
و للحلم سلطان على الجهل عنده
فما يستطيع الجهل أن يترمرما [١]
و أكثر ما تلقاه في القوم صامتا
و إن قال بذّ القائلين و أحكما
يرى مستكينا خاضعا متواضعا
و ليثا إذا لاقى الكتيبة ضيغما
على الجدث الغربيّ من آل وائل
سلام و برّ ما أبرّ و أكرما
رد ابن كناسة على عتاب صديق
أخبرني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني زكريا بن مهران قال: عاتب محمّد بن كناسة صديق له شريف كان ابن كناسة يزوره و يألفه على تأخره عنه، فقال ابن كناسة:
ضعفت عن الإخوان حتى جفوتهم
على غير زهد في الوفاء و لا الودّ
و لكنّ أيامي تخرّمن منّتي
فما أبلغ الحاجات إلا على جهد [٢]
رأي ابن كناسة في الدنيا
حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضّبّيّ قال أنشدني ابن كناسة- قال الضّبّيّ: و كان يحيى يستحسنها و يعجب بها-:
و من عجب الدنيا تبقّيك للبلى
و أنّك فيها للبقاء مريد
و أيّ بني الأيام إلا و عنده
من الدهر ذنب طارف و تليد
و من يأمن الأيام أما انبياعها
فخطر و أما فجعها فعتيد [٣]
إذا اعتادت النفس الرّضاع من الهوى
فإنّ فطام النفس عنه شديد
ابن كناسة يصف الحيرة و ما جاورها
حدّثني الحسن قال حدّثنا ابن مهرويه قال حدّثني محمّد بن عمران الضبي قال قال لي عبيد بن الحسن:
قال لي ابن كناسة ذات يوم في زمن الربيع: اخرج بنا ننظر إلى الحيرة فإنها حسنة في هذا الوقت. فخرجت معه حتى بلغنا الخورنق، فلم يزل ينظر إلى البر و إلى رياض الحيرة و حمرة الشقائق، فأنشأ يقول:
الآن حين تزيّن الظّهر
ميثاؤه و براقه العفر [٤]
بسط الربيع بها الرياض كما
بسطت قطوع اليمنة الخمر [٥]
/ برّيّة في البحر نابتة
يجبى إليها البرّ و البحر
[١] ترمرم: تحرك للكلام و لم يتكلم. و في س: «يتزمزم».
[٢] تخرم: اقتطع. المنة: القوّة.
[٣] الانبياع: الوثوب بعد سكون. و في الأصول: «اتساعها». و الخطر: مصدر خطر الفحل بذنبه يخطر: ضرب به يمينا و شمالا. العتيد:
الحاضر المهيأ.
[٤] الميثاء: الأرض السهلة. براقة: جمع برقاء و هي أرض غليظة مختلطة بحجارة و رمل.
[٥] قطوع اليمنة: بسط اليمن.