الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٤ - علي بن الجهم يمدح الواثق
فما يجوز أن أملك شيئا له فيه رغبة، و قد أهديتها إلى أمير المؤمنين، فإنّ من حقّها عليّ إذا تناهيت في قضائه أن أصيّرها ملكه، فبارك اللّه له فيها. فقال له الواثق: قد قبلتها. و أمر ابن الزيات أن يدفع إليه خمسة آلاف دينار، و سماها احتياطا، فلم يعطه ابن الزيات المال و مطله به، فوجّه صالح إلى قلم من أعلمها ذلك، فغنت الواثق و قد اصطبح صوتا، فقال لها: بارك اللّه فيك و فيمن ربّاك. فقالت: يا سيدي و ما نفع من ربّاني منّي إلا التعب و الغرم عليّ و الخروج منّي صفرا؟ قال: أ و لم آمر له بخمسة آلاف دينار؟ قالت: بلى! و لكنّ ابن الزيّات لم يعطه شيئا. فدعا بخادم من خاصّة الخدم و وقّع إلى آبن الزيات بحمل الخمسة آلاف الدينار إليه، و خمسة آلاف دينار أخرى معها.
قال صالح: فصرت مع الخادم إليه بالكتاب، فقربني و قال: أما الخمسة الآلاف الأولى فخذها فقد حضرت، و الخمسة الآلاف الأخرى أنا أدفعها إليك بعد جمعة. فقمت، ثم تناساني كأنه لم يعرفني، و كتبت أقتضيه، فبعث إليّ: اكتب لي قبضا [١] بها و خذها بعد جمعة. فكرهت أن أكتب قبضا بها فلا يحصل لي شيء، فاستترت و هو في منزل صديق/ لي؛ فلما بلغه استتاري خاف أن أشكوه إلى الواثق، فبعث إليّ بالمال و أخذ كتابي بالقبض. ثم لقيني الخادم بعد ذلك فقال لي: أمرني أمير المؤمنين أن أصير إليك فأسألك، هل قبضت المال؟ قلت: نعم قد قبضته.
قال صالح: و ابتعت بالمال ضيعة و تعلّقت بها و جعلتها معاشي، و قعدت عن عمل/ السلطان فما تعرضت منه لشيء بعدها.
علي بن الجهم يمدح الواثق
أخبرني محمّد بن يحيى قال أخبرني ابن إسحاق الخراسانيّ. قال: و حدّثني محمّد بن مخارق قال:
لما بويع الواثق بالخلافة دخل عليه علي بن الجهم فأنشده قوله:
قد فاز ذو الدّنيا و ذو الدّين
بدولة الواثق هارون
و عمّ بالإحسان من فعله
فالناس في خفض و في لين
ما أكثر الداعي له بالبقا
و أكثر التّالي بآمين
و أنشده أيضا قوله فيه:
وثقت بالملك الوا
ثق باللّه النّفوس
ملك يشقى به الما
ل و لا يشقى الجليس
أسد تضحك عن شدّ
اته الحرب العبوس
أنس السيف به واس
توحش العلق النفيس [٢]
يا بني العباس يأ
بى اللّه إلّا أن تسوسوا
/ قال: فوصله الواثق صلة سنيّة.
[١] القبض: الملك.
[٢] العلق: النفيس من كل شيء، و الثوب الكريم.