الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٩ - بنت يحيى بن زياد تبكيه و تستجيد له الكفن و ترثيه بأبياته
فراح بهم قوم و لا قوم عندهم
مغلّلة أيديهم في السلاسل
و رب أخ لي غاب لو كان شاهدا
رآه التباليّون [١] لي غير خاذل
و قال علبة أيضا لامرأته أمّ جعفر قبل أن يقتل جعفر:
لعمرك إن الليل يا أمّ جعفر
عليّ و إن علّلتني لطويل
أحاذر أخبارا من القوم قد دنت
و رجعة أنقاض لهنّ دليل [٢]
فأجابته فقالت:
أبا جعفر أسلمت للقوم جعفرا
فمت كمدا أو عش و أنت ذليل
بنت يحيى بن زياد تبكيه و تستجيد له الكفن و ترثيه بأبياته
قال أبو عمرو في روايته: و ذكر شداد بن إبراهيم أن بنتا ليحيى بن زياد بن عبيد اللّه الحارثيّ حضرت الموسم في ذلك العام لما قتل فكفّنته و استجادت له الكفن، و بكته و جميع من كان معها من جواريها، و جعلن يندبنه بأبياته الّتي قالها قبل قتله:
أ حقا عباد اللّه أن لست رائيا
صحاريّ نجد و الرياح الذّواريا
و قد تقدمت في صدر أخباره. و في هذه القصيدة يقول جعفر:
وددت معاذا كان فيمن أتانيا
/ فقال معاذ يجيبه عنها بعد قتله، و يخاطب أباه، و يعرّض له أنه قتل ظلما لأنهم أقاموا قسامة كاذبة عليه حين قتل، و لم يكونوا عرفوا القاتل من الثلاثة بعينه، إلا أن غيظهم على جعفر حملهم على أن ادّعوا القتل عليه:
أبا جعفر سلّب بنجران و احتسب
أبا عارم و المسمنات العواليا [٣]
و قوّد قلوصا أتلف السّيف ربها
بغير دم في القوم إلا تماريا [٤]
إذا ذكرته معصر [٥] حارثيّة
جرى دمع عينيها على الخد صافيا
فلا تحسبنّ الدّين يا علب منسأ
و لا الثائر الحرّان ينسى التقاضيا
سنقتل منكم بالقتيل ثلاثة
و نغلي و إن كانت دماء غواليا
تمنيت أن تلقى معاذا سفاهة
ستلقى معاذا و القضيب اليمانيا
و وجدت الأبيات القافيّة الّتي فيها الغناء في نسخة النّضر بن حديد أتمّ مما ذكره أبو عمرو الشيبانيّ. و أوّلها:
ألا هل إلى فتيان لهو و لذّة
سبيل و تهتاف الحمام المطوق [٦]
[١] التباليون: المنسوبون إلى تبالة، و هو بلد باليمن.
[٢] الأنقاض: جمع نقض (بالكسر)، و هو المهزول من الإبل و الخيل كأن السفر نقض بنيته. «ذليل» بدل «دليل» و في «مختار الأغاني»:
«هزيل».
[٣] سلب: ألبس ثياب الحداد السود. و الأصل في التسلب أن يكون للمرأة الّذي يموت زوجها أو حميمها. يقال تسلب المرأة إذا لبست ثياب المأتم السود. و المسمنات: ذوات السمنة.
[٤] قوّد: اجعلها تقاد و لا تركب. و القلوص: الشابة أو الباقية على السير، و أوّل ما يركب من إناثها إلى أن تثنى ثم هي ناقة و الناقة الطويلة القوائم خاص بالإناث. تماريا: تكذيبا.
[٥] المعصر: الجارية الّتي بلغت عصر شبابها و أدركت.
[٦] المطوق من الحمام: ما كان له طوق في عنقه.