الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٩٣ - إصابة جعفر بن المنصور بالصرع
ملئت جورا» و هذا العباس بن محمّد أخوك [١] يشهد على ذلك. ثم أقبل على العباس، فقال له: «أنشدك اللّه هل سمعت هذا؟ فقال: نعم. مخافة من المنصور، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهديّ.
قال: و لمّا انقضى المجلس، و كان العباس بن محمّد لم يأنس به، قال: أ رأيتم هذا الزنديق إذ كذب على اللّه عزّ و جلّ و رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم حتّى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا، و شهد كلّ من حضر عليّ بأني كاذب؟! و بلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر، و كان مطيع منقطعا إليه يخدمه، فخافه، و طرده عن خدمته. قال: و كان جعفر ماجنا، فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه، و شقّت عليه البيعة لمحمد، فأخرج أيره ثم قال: إن كان أخي محمّد هو المهديّ فهذا القائم من آل محمّد.
خشية أبي جعفر على ابنه جعفر من مطيع
أخبرني عيسى بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: كان مطيع بن إياس يخدم جعفر بن أبي جعفر المنصور و ينادمه، فكره أبو جعفر ذلك، لما شهر به مطيع في الناس و خشي أن يفسده، فدعا بمطيع و قال له: عزمت على أن تفسد ابني عليّ و تعلّمه زندقتك؟ فقال: أعيذك باللّه يا أمير المؤمنين من أن/ تظنّ بي هذا، و اللّه ما يسمع منّي إلا ما إذا وعاه جمّله و زيّنه و نبّله! فقال: ما أرى ذلك و لا يسمع منك إلا ما يضرّه و يغرّه. فلما رأى مطيع إلحاحه في أمره قال له: أ تؤمنني يا أمير المؤمنين عن غضبك حتّى أصدقك؟ قال: أنت آمن. قال: و أيّ مستصلح فيه؟ و أيّ نهاية لم يبلغها في الفساد و الضّلال؟ قال: ويلك، بأيّ شيء؟ قال: يزعم أنّه ليعشق امرأة من الجنّ و هو مجتهد في خطبتها، و جمع أصحاب العزائم عليها، و هم يغرونه و يعدونه بها و يمنونه، فو اللّه ما فيه فضل لغير ذلك من جدّ و لا هزل و لا كفر إيمان. فقال له المنصور: ويلك، أ تدري ما تقول؟ قال: الحق و اللّه أقول. فسل عن ذلك، فقال له: عد إلى صحبته و اجتهد أن تزيله عن هذا الأمر، و لا تعلمه أنّي علمت بذلك حتّى أجتهد في أزالته عنه.
إصابة جعفر بن المنصور بالصرع
أخبرني عمي قال: حدّثني الكراني عن ابن عائشة قال:
كان مطيع بن إياس منقطعا إلى جعفر بن أبي جعفر المنصور، فدخل أبوه المنصور عليه يوما، فقال لمطيع:
قد أفسدت ابني يا مطيع. فقال له مطيع: إنّما نحن رعيّتك فإذا أمرتنا بشيء فعلنا.
قال: و خرج جعفر من دار حرمه فقال/ لأبيه: ما حملك على أن دخلت داري بغير إذن؟ فقال له أبو جعفر:
لعن اللّه من أشبهك، و لعنك! فقال: و اللّه لأنا أشبه بك منك بأبيك- قال: و كان خليعا- فقال: أريد أن أتزوّج امرأة من الجنّ! فأصابه لمم، فكان يصرع بين يدي أبيه و الربيع واقف، فيقول له: يا ربيع، هذه قدرة اللّه.
و قال المدائنيّ في خبره الّذي ذكرته عن عيسى بن الحسين عن أحمد بن الحارث عنه: فأصاب جعفرا من كثرة ولعه [٢] بالمرأة الّتي ذكر أنه يتعشّقها من الجنّ صرع،/ فكان يصرع في اليوم مرّات حتّى مات، فحزن عليه المنصور حزنا شديدا، و مشى في جنازته، فلما دفن و سوّي قبره قال للربيع: أنشدني قول مطيع بن إياس في مرثية يحيى بن زياد. فأنشده:
يا أهلي ابكوا لقلبي القرح
و للدموع الذّوارف السّفح [٣]
[١] في ح: «و قال العباس بن محمّد اخوك».
[٢] يقال ولع بالشيء ولعا و ولوعا بفتح الواو: لهج به و اشتد حبه له.
[٣] في ح: «يا أهل بكرا».