الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٣ - ناهض يصف وليمة وصف البدوي لما لم يره من قبل
الهلالي، فرأيت دورا متباينة و خصاصا [١] قد ضمّ بعضها إلى بعض، و إذا بها ناس كثير مقبلون و مدبرون، عليهم ثياب تحكي ألوان الزهر، فقلت في نفسي: هذا أحد العيدين: الأضحى أو الفطر. ثم ثاب إليّ ما عزب عن عقلي، فقلت: خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر، و قد مضى العيدان قبل ذلك، فما هذا الّذي أرى؟ فبينا أنا واقف متعجّب أتاني رجل فأخذ بيدي،/ فأدخلني دارا قوراء [٢]، و أدخلني منها بيتا قد نجّد في وجهه فرش و مهّدت، و عليها شابّ ينال فروع شعره منكبيه، و الناس حوله سماطان [٣]، فقلت في نفسي: هذا الأمير الّذي حكي لنا جلوسه على الناس و جلوس الناس بين يديه، فقلت و أنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير و رحمة اللّه و بركاته. فجذب رجل يدي، و قال: اجلس فإن هذا ليس بأمير. قلت: فما هو؟ قال: عروس. فقلت: وا ثكل أمّاه، لربّ عروس رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه [٤]. فلم أنشب [٥] أن دخل رجال يحملون هنات [٦] مدوّرات، أمّا ما خفّ منها فيحمل حملا، و أما ما كبر و ثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا، و تحلّق القوم عليه حلقا، ثم أتينا بخرق بيض فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثيابا، و هممت أن أسأل القوم منها خرقا أقطّعها قميصا، و ذلك أني رأيت نسجا متلاحما/ لا يبين له سدى و لا لحمة، فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزّق سريعا، و إذا هو- فيما زعموا- صنف من الخبز لا أعرفه؛ ثم أتينا بطعام كثير بين حلو و حامض، و حار و بارد؛ فأكثرت منه و أنا لا أعلم ما في عقبه من التّخم و البشم؛ ثم أتينا بشراب أحمر في عساس [٧]، فقلت: لا حاجة لي فيه، فإني أخاف أن يقتلني. و كان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن اللّه جزاءه، فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام، و إن شربت الماء همى [٨] بطنك. فلما ذكر البطن تذكّرت شيئا أوصاني به أبي و الأشياخ من أهلي، قالوا: لا تزال حيّا ما كان بطنك شديدا فإذا اختلف فأوص [٩]. فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به، و جعلت أكثر منه فلا أملّ شربه، فتداخلني من ذلك/ صلف لا أعرفه من نفسي، و بكاء لا أعرف سببه و لا عهد لي بمثله، و اقتدار على أمري أظنّ معه أني لو أردت نيل السّقف لبلغته، و لو ساورت [١٠] الأسد لقتلته، و جعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدّثني نفسي بهتم أسنانه و هشم أنفه، و أهمّ أحيانا أن أقول له: يا ابن الزانية! فبينا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة، أحدهم قد علّق في عنقه جعبة فارسيّة مشنّجة [١١] الطرفين دقيقة الوسط، مشبوحة بالخيوط شبحا منكرا؛ ثم بدر الثاني فاستخرج من كمّه هنة سوداء كفيشلة الحمار [١٢]، فوضعها في فيه، و ضرط ضراطا لم أسمع- و بيت اللّه- أعجب منه، فاستتمّ بها أمرهم، ثم حرّك أصابعه على أجحرة فيها فأخرج منها أصواتا ليس كما بدأ
[١] الخصاص: البيوت من القصب، جمع خص.
[٢] القوراء: واسعة.
[٣] السماطان: الصفان.
[٤] الهن: الفرج.
[٥] فلم أنشب، يقال ما نشبت أفعل كذا أي ما زلت.
[٦] هنات: أشياء، جمع هنة.
[٧] عساس بكسر العين جمع عس بالضم: هي القداح الكبيرة.
[٨] همى بطنه: أي انطلق.
[٩] اختلف: أصابه إسهال.
[١٠] ساورت الأسد: و اثبته. و في ب، س: «شأوت».
[١١] المشنجة: المنقبضة.
[١٢] الفيشلة: الحشفة و رأس كل مدور.