الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٦ - عامل مكة أخذ بحق بني عقيل و يقتل جعفر بن علبة
فقلنا لهم تلكم إذا بعد كرة
تغادر صرعى نهضها متخاذل [١]
و قتلى نفوس في الحياة زهيدة
إذا اشتجر الخطّيّ و الموت نازل
نراجعهم في قالة بدءوا بها
كما راجع الخصم البذيّ المناقل [٢]
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبل
و لي منه ما ضمّت عليه الأنامل
عامل مكة أخذ بحق بني عقيل و يقتل جعفر بن علبة
قال: فاستعدت عليهم بنو عقيل السّريّ بن عبد اللّه الهاشميّ عامل مكة لأبي جعفر؛ فأرسل إلى أبيه علبة بن ربيعة فأخذه بهم، و حبسه حتى دفعهم و سائر من كان معهم إليه، فأما النضر فاستقيد [٣] منه بجراحة [٤]، و أمّا عليّ بن جعدب فأفلت من الحبس، و أما جعفر بن علبة فأقامت عليه بنو عقيل قسامة [٥]: أنه قتل صاحبهم فقتل به.
هذه رواية أبي عمرو.
و ذكر ابن الكلبيّ أن الّذي هاج الحرب بين جعفر بن علبة و بني عقيل أن إياس بن يزيد الحارثيّ و إسماعيل بن أحمر العقيليّ اجتمعا عند أمة لشعيب بن صامت الحارثيّ، و هي في إبل لمولاها في موضع يقال له صمعر من بلاد بلحارث [٦]، فتحدّثا/ عندها فمالت إلى العقيليّ،/ فدخلتهما مؤاسفة [٧] حتى تخانقا بالعمائم، فانقطعت عمامة الحارثيّ و خنقه العقيليّ حتّى صرعه، ثم تفرّقا. و جاء العقيليّون إلى الحارثيّين فحكّموهم فوهبوا لهم، ثم بلغهم بيت قيل، و هو:
أ لم تسأل العبد الزياديّ ما رأى
بصمعر و العبد الزياديّ قائم
فغضب إياس من ذلك فلقي هو و ابن عمه النضر بن مضارب ذلك العقيليّ، و هو إسماعيل بن أحمر، فشجه شجّتين و خنقه؛ فصار الحارثيّون إلى العقيليّين فحكموهم فوهبوا لهم. ثم لقى العقيليون جعفر بن علبة الحارثيّ فأخذوه فضربوه و خنقوه و ربطوه و قادوه طويلا ثم أطلقوه. و بلغ ذلك إياس بن يزيد فقال يتوجع لجعفر:
أبا عارم كيف اغتررت و لم تكن
تغرّ إذا ما كان أمر تحاذره
فلا صلح حتى يخفق [٨] السيف خفقة
بكفّ فتى جرّت عليه جرائره
ثم إن جعفر بن علبة تبعهم و معه ابن أخيه جعدب، و النضر بن مضارب، و إياس بن يزيد، فلقوا المهديّ بن عاصم و كعب بن محمّد بحبرّ- و هو موضع بالقاعة [٩]- فضربوهما ضربا مبرّحا، ثم انصرفوا فضلّوا عن الطريق، فوجدوا العقيليّين و هم تسعة، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى خلّى لهم العقيليون الطريق ثم مضوا حتى وجدوا من عقيل جمعا آخر
[١] في ط: «بعد عركة».
[٢] المناقل: الّذي يتحدّث مع غيره و يراجعه.
[٣] استقيد منه: اقتص منه.
[٤] الجراحة: الضربة أو الطعنة.
[٥] القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون. و يمين القسامة منسوبة إليهم. و راجع «اللسان» (مادة قسم) ففيه تفصيل واف عن القسامة.
[٦] هم بنو الحارث بن كعب، كما في «معجم البلدان».
[٧] المؤاسفة: المغاضبة.
[٨] خفق السيف: اضطرابه. و في ط: «خفقة» بالتاء.
[٩] الّذي في «معجم البلدان» و «معجم ما استعجم» أنه جبل لبني سليم. و أنشد لابن مقبل:
سل الدار من جنبي حبر فواهب
إذا ما رأى هضب القليب المضيح