الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٩ - مطيع ينصح يحيى بن زياد
و يطرفونه [١]، و كلهم كان يعشق ابنه أصبغ، حتى كان يوم نوروز [٢] و عزم أبو الأصبغ على أن يصطبح مع يحيى بن زياد، و كان يحيى قد أهدى له من الليل جداء و دجاجا و فاكهة و شرابا، فقال أبو الأصبع لجواريه: إن يحيى بن زياد يزورنا اليوم، فأعددن له كلّ ما يصلح لمثله. و وجّه بغلمان له ثلاثة في حوائجه، و لم يبق بين يديه أحد، فبعث بابنه أصبغ إلى يحيى يدعوه و يسأله التعجيل، فلما جاءه استأذن له الغلام، فقال له يحيى: قل له يدخل، و تنحّ أنت و أغلق/ الباب و لا تدع الأصبغ يخرج إلا بإذني. ففعل الغلام و دخل الأصبغ، فأدّى إليه رسالة أبيه، فلما فرغ راوده يحيى عن نفسه، فامتنع، فثاوره [٣] يحيى و عاركه حتى صرعه، ثم رام حلّ تكّته، فلم يقدر عليها، فقطعها و ناكه، فلما فرغ أخرج من تحت مصلّاه أربعين دينار، فأعطاه إياها، فأخذها، و قال له يحيى: امض فإني بالأثر. فخرج أصبغ من عنده، فوافاه مطيع بن إياس، فرآه يتبخّر و يتطيّب و يتزيّن، فقال له: كيف أصبحت؟ فلم يجبه، و شمخ بأنفه، و قطّب حاجبيه، و تفخّم؛ فقال له: ويحك مالك؟ نزل عليك/ الوحي؟ كلمتك الملائكة؟ بويع لك بالخلافة؟
و هو يومئ برأسه: لا لا، في كل كلامه، فقال له: كأنك قد نكت أصبغ بن أبي الأصبغ قال: إي و اللّه الساعة نكته، و أنا اليوم في دعوة أبيه. فقال مطيع: فامرأته طالق إن فارقتك أو نقبّل متاعك. فأبداه له يحيى حتى قبّله، ثم قال له: كيف قدرت عليه؟ فقال يحيى ما جرى و حدثه بالحديث، و قام يمضي إلى منزل أبي الأصبغ، فتبعه مطيع، فقال له: ما تصنع معي و الرجل لم يدعك؟ و إنما يريد الخلوة. فقال: أشيّعك إلى بابه و نتحدث. فمضى معه، فدخل يحيى و ردّ الباب في وجه مطيع، فصبر ساعة، ثم دقّ الباب فاستأذن، فخرج إليه الرسول، و قال له: يقول لك أنا اليوم على شغل لا أتفرّغ معه لك. فتعذّر [٤]. قال: فابعث إليّ بدواة و قرطاس، فكتب إليه مطيع [٥]:
يا أبا الأصبغ لا زلت على
كل حال ناعما متّبعا
لا تصيّرنى في الودّ كمن
قطع التّكّة قطعا شنعا
و أتى ما يشتهي لم يثنه
خيفة أو حفظ حق ضيّعا
لو ترى الأصبغ ملقى تحته
مستكينا خجلا قد خضعا
و له دفع عليه عجل
شبق شاءك ما قد صنعا [٦]
فادع بالأصبغ و اعلم حاله
سترى أمرا قبيحا شنعا
قال فقال أبو الأصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية؟ قال: لا و اللّه. فضرب بيده إلى تكّة ابنه، فرآها مقطوعة، و أيقن يحيى بالفضيحة، فتلكأ الغلام، فقال له يحيى: قد كان الّذي كان، و سعى بي إليك مطيع ابن الزانية، و هذا ابني و هو و اللّه أفره [٧] من ابنك، و أنا عربي ابن عربية و أنت نبطيّ ابن نبطية، فنك ابني عشر مرات/ مكان المرّة الّتي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير، و للواحد عشرة. فضحك و ضحك الجواري، و سكن غضب أبي الأصبغ، و قال لابنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة. فرمى بها إليه، و قام خجلا، و قال يحيى: و اللّه لا أدخل مطيع الساعي ابن الزانية. فقال أبو الأصبغ و جواريه: و اللّه ليدخلنّ، فقد نصحنا و غششتنا. فأدخلناه و جلس يشرب و معهم يحيى يشتمهم بكل لسان، و هو يضحك، و اللّه أعلم.
[١] يطرفونه: يهدون إليه الطريف.
[٢] نوروز: أوّل يوم من السنة الشمسية. و عند الفرس عند نزول الشمس أو الحمل.
[٣] ثاوره: واشه.
[٤] تعذر: اعتذر و احتج لنفسه.
[٥] في الأصول: «فكتب إليه الاصبع».
[٦] شاءك: حزنك. و في الأصول «شاك».
[٧] الفاره من الناس: المليح الحسن.